أخرج ابن جرير الطبري في «تفسيره» (6/340)مصدر غير محدد٦/٣٤٠ وابن أبي حاتم (الرقم: 3086)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٨٦ والحاكم في «المستدرك» (2/289)المستدرك على الصحيحينالحاكم النيسابوري٢/٢٨٩ وصححه عن ابن عباس ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي: أن امرأة عمران هي «حَنَّة بنت فاقوذ» أم مريم عليها السلام، وكانت امرأة صالحة عاقراً لا تلد، فرأت يوماً طائراً يطعم فرخه فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى وتضرعت إليه أن يهب لها ولداً، وحبلت، فنذرت ما في بطنها خالصاً مفرغاً لخدمة بيت المقدس وعبادة الله.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾: رسمت بالتاء المفتوحة (المبسوطة) في المصاحف العثمانية لاتصالها بالإضافة لزوجها، ويوقف عليها بالهاء لحفص والجمهور، وبالتاء لابن كثير والكسائي في أحد الأوجه.
قوله تعالى: ﴿مُحَرَّرًا﴾: فتح الراء المشددة حال من «ما» الموصولة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
نَذَرْتُ لَكَ: النذر هو إلزام النفس طاعة لله، وقولها ﴿لَكَ﴾ إخلاص وتجريد تام للنية؛ فلا حظ فيه لدنيا ولا لولد ولا لعشيرة.
مُحَرَّرًا: التحرير في اللغة العتق وتخليص الشيء من الشوائب والقيود؛ والمراد هنا: مفرغاً مخلصاً لطاعتك وخدمة بيتك المقدس، خالصاً من كل استخدام دنيوي أو خدمة لأبويه.
فَتَقَبَّلْ مِنِّي: القبول هو الرضا بالعمل الصالح وإثابة فاعله ومضاعفة أجره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البدء باللبنة الأولى لقصة مريم والمسيح:
نقل القرآن القارئ من الاصطفاء الكلي في الآية (33) إلى المشهد الحي الواقعي في بيت عمران: امرأة صالحة عابدة مخلصة تنذر جنينها لله؛ ليعلم الناس أن اصطفاء مريم وميلاد عيسى المعجز نبت في حقل الإخلاص والافتقار الصادق لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نذر الحمل في البطن وحكمه الشرعي:
كان نذر تحرير الأولاد لخدمة بيت المقدس مشروعاً وجائزاً في شريعة بني إسرائيل، وكان مقتصراً على الذكور لقوتهم وصلاحيتهم للمقام في المعبد ومخالطة الكهان والأحبار دون حرج.
دلالة على شدة القرب القلبي والاضطرار التام للرب الكريم.
التوسل بـ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
التوكيد بـ «إنّ» وضمير الفصل «أنت»؛ لتقرير أن الله يسمع دعاءها ونجواها، ويعلم خلوص نيتها وسريرة قلبها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة النية الصادقة في تنشئة الأجيال:
الأم المخلصة هي صانعة المجد؛ فإذا عقدت الأم النية الصالحة على تربية جنينها ليكون خادماً لدين الله وداعياً إلى الحق، بارك الله في ذريتها وجعل منها قادة ومصلحين كما جعل من مريم وابنها.