أخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري (6/291)مصدر غير محدد٦/٢٩١ وابن أبي حاتم (الرقم: 3027)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٢٧ عن عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه، قالا: فإن إبراهيم كان يهودياً! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه وتوليا، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾».
وروى الشيخان (البخاري: 4556، مسلم: 1699) في قصة رجم الزانيين من يهود خيبر حين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنكروا حكم الرجم في التوراة، فوضع حبرهم يده على آية الرجم، فرفعها عبد الله بن سلام رضي الله عنه وقال: هذه آية الرجم تقرأ بها يا رسول الله! فكان هذا من أعظم شواهد توليهم وإعراضهم عن كتابهم.
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قرأ القراء العشرة بجزم الراء في: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وتسكين اللام في ﴿لِيَحْكُمَ﴾ وفتح الميم على النصب بأن المضمرة بعد لام التعليل، والوقف بالعارض للسكون في ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ: النصيب هو الحظ والجزء المفروض؛ وتنكيره هنا للتقليل والتبعيض؛ أي لم يؤتوا إلا حظاً يسيراً من علم التوراة أو ما بقي منها بعد التحريف، فكان مقتضى هذا النصيب القليل أن يتبعوا الحق لا أن يعرضوا عنه.
يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ: كتاب الله هو التوراة المنزلة على موسى للتحاكم إلى أحكامها الصافية، أو القرآن الكريم الذي يصدق ما بين يديه.
وَهُمْ مُعْرِضُونَ: جملة حالية مؤكدة لتوليهم؛ أي إن توليهم ليس مجرد انصراف بالبدن مع حيرة أو تأمل، بل هو إعراض نفسي كامل مبني على الجحود والاستكبار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعجيب من تناقض أهل الكتاب وسلوكهم الانفصامي:
تصدير الآية بالاستفهام التعجيبي ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يلفت الأنظار إلى التناقض الفاضح: فهم يزعمون أنهم أهل كتاب وأنهم أحباء الله، فإذا دعوا إلى كتابهم وإلى القرآن ليحكم بينهم بالعدل تولوا هاربين خوفاً من أن تفضحهم النصوص المحكمة وتسقط مكاسبهم الحرام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التحاكم إلى الشريعة ورفض الهوى:
المحاكمة العقلية والشرعية: التحاكم إلى شرع الله هو المحك العملي الصادق للإيمان؛ فالذي يدعي الإيمان بكتاب ثم يرفض الخضوع لحكمه وقضائه عند التنازع إنما هو مدعٍ كاذب، وهذا السلوك الذي ذم الله به أهل الكتاب يقع فيه بعض المسلمين اليوم حين يرفضون أحكام الشريعة ويتحاكمون إلى القوانين الوضعية الجائرة.
«ثم» هنا لاستبعاد التولي بعد وضوح الداعي والحجة؛ فالأصل فيمن يدعى إلى كتاب ربه أن يسارع بالقبول، فتوليه مستبعد عقلاً وفطرة، فلذا جيء بـ «ثم» للتعجيب من فظاعة صنيعهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب الانقياد المطلق لحكم الله ورسوله:
الحذر من التشبه بأهل الكتاب في التهرب من أحكام الشريعة عند الخصومات؛ فالمؤمن الصادق شعاره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.