أجمع القراء العشرة على قراءة الآية بألفاظها المستقرة؛ ﴿آمَنَّا﴾ بهمزة مد بعد همزة مفتوحة، و﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ بتشديد التاء، و﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ بأمر الله تعالى طلباً لكتابة النجاة والشهادة (التيسير في القراءات السبع للداني، ص٨٥)مصدر غير محدد٨٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تضرع الحواريين الخاشع عقب إعلانهم النصرة لعيسى عليه السلام؛ فلما طلبوا شهادة عيسى في الأرض عادوا وتوجهوا إلى رب السماوات والأرض متوسلين بإيمانهم واتباعهم ليثبتهم في ديوان الشهداء والصديقين.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: "مع الشاهدين الذين يشهدون لرسلك بالبلاغ، ولدينك بالحق والصدق، وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون للأنبياء يوم القيامة بأنهم بلغوا قومهم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ربنا
نداء تضرع وإقرار بالربوبية الخاصة المقتضية للرعاية والتثبيت.
آمنا بما أنزلت
تصديق باطن ويقين جازم بكل ما نزل من الكتب والوحي (التوراة والإنجيل).
واتبعنا الرسول
الامتثال العملي الظاهر والانقياد لأوامر عيسى عليه السلام، فجمعوا بين الإيمان الباطن والاتباع الظاهر.
فاكتبنا
الكتابة هنا كناية عن الإثبات الحتمي والقضاء المحكم في اللوح المحفوظ وسجلات الفائزين المكرمين.
مع الشاهدين
الشاهد هو من يشهد بالحق ويثبت عليه، أو من يضحي بنفسه شهيداً في سبيل الله، أو الذين يشهدون للرسل بالبلاغ والصدق عند لقاء الله.
رَبَّنَا
منادى مضاف حذف منه حرف النداء، مبني على النصب ونا مضاف إليه في محل جر.
آمَنَّا
فعل ماض مبني على السكون ونا ضمير متصل فاعل.
بِمَا أَنزَلْتَ
بما جار ومجرور متعلقان بآمنا، وأنزلت فعل ماض مبني على السكون صلة الموصول، والتاء فاعل، والعائد محذوف تقديره (بما أنزلته).
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
معطوف على آمنا، والرسول مفعول به منصوب.
فَاكْتُبْنَا
الفاء فصيحة سببية واقعة في جواب التوسل، اكتبنا فعل دعاء بصيغة الأمر مبني على السكون، ونا مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت يعود على الله.
مَعَ الشَّاهِدِينَ
مع ظرف مكان متعلق باكتبنا، والشاهدين مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب بلاغي ودعائي فائق الأدب:
قدموا الإيمان بالمنزل ﴿آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ﴾، ثم ثنوا بالاتباع العملي ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾، ثم فرعوا عليهما بالفاء طلب الثمرة والجزاء ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وهذا يعلم المؤمنين كيف يتوسلون إلى الله بصالح أعمالهم؛ فلا يدعون بالنجاة والشهادة مجردة، بل يقدمون بين يدي دعائهم الإيمان الصادق والاتباع الكامل لرسولهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرر عقائد الكنائس المحرفة أن الحواريين والرهبان هم أصحاب الحل والعقد ولهم صكوك الغفران ومفاتيح الملكوت!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
نص القرآن يقرر أن خيرة الحواريين وأصفياءهم لم يتوجهوا لطلب المغفرة والثبات إلا إلى الله رباً واحداً فرداً: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ فلم يدعوا عيسى، ولم يمنح أحد منهم غفراناً للآخر، بل كانوا عباداً متضرعين خائفين يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه، فبطلت بدعة الوساطة وصكوك الغفران المبتدعة (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، دار العاصمة، ج٣، ص١٩٠-١٩٥)الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيحابن تيمية٣/١٩٠.