١. السياق التاريخي لوفود نجران
- قدم وفد نصارى نجران على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في العام التاسع للهجرة (عام الوفود)، وكانوا ستين راكباً فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم وعلمائهم، ورؤساؤهم ثلاثة:
- العاقب (عبد المسيح): صاحب رأيهم ومشورهم.
- السيد (الأيهم): ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم.
- أبو حارثة بن علقمة: أسقفهم وحبرهم وعالمهم.
- دخلوا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المسيح عليه السلام، وغلوا فيه فقالوا: "هو الله، وهو ابن الله، وهو ثالث ثلاثة"، واحتجوا بأنه أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وخلق من الطين كهيئة الطير، وأنه ولد بغير أب بشري.
٢. المنطق القرآني الفاحم في إبطال ألوهية المسيح
- رد القرآن افتراءاتهم عبر درجات من البراهين العقلية والنقلية القاطعة:
- البرهان الأول (الحدوث واحتياج الطبيعة البشرية):
- المسيح عليه السلام مخلوق حادث، تلحقه عوارض البشر؛ يولد من رحم، ويحتاج إلى الغذاء (﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾)، والرب الإله حي قيوم صمد غني عن العالمين، فكيف يكون الإله محتاجاً إلى الطعام والشراب والنمو والزوال؟!
- البرهان الثاني (نقض حجة الولادة بغير أب):
- قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ وهذا إلزام عقلي بديهي: إن كان عيسى إلهاً لكونه خلق من غير أب، فآدم عليه السلام أولى بالألوهية منه؛ لأنه خلق من غير أب ولا أم، فإذا كان آدم عبداً مخلوقاً باتفاقكم، فعيسى عبد مخلوق من باب أولى.
- البرهان الثالث (تقييد المعجزات بالإذن الإلهي):
- كرر القرآن في معرض معجزات عيسى قوله الحاسم: ﴿بِإِذْنِي﴾ و﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لبيان أن الخالق والمحيي والفاعل الحقيقي هو الله تعالى وحده، وأن ظهور هذه الخوارق على يد عيسى إنما هو دلالة على صدق رسالته ونبوته، كما كانت العصا لموسى، وانشقاق القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم.
٣. آية المباهلة ودلالتها القطعية
- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
- لما أعيتهم الحجج وأصروا على المكابرة، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المفاصلة العظمى (المباهلة)، وخرج محتضناً الحسين وآخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي معهم، وقال: «إذا أنا دعوت فأمنوا».
- فلما رأى الأسقف ورؤساء نجران تلك الوجوه الصادقة المستسلمة لله قالوا: "يا معشر النصارى، إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة!"، فامتنعوا ورضخوا للجزية والموادعة. فكان هذا أعظم برهان عياني على صدق النبوة وانقطاع حجتهم.