قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف العاشر ﴿مُنزَلِينَ﴾ بضم الميم وسكون النون وكسر الزاي مخففاً من أنزل يُنزل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ﴿مُنَزَّلِينَ﴾ بفتح النون وتشديد الزاي المفتوحة أو المكسورة من نزّل يُنزّل للتكثير والتعظيم (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥٠)مصدر غير محدد٢/٢٥٠.
بشارة وتثبيت نبوي للمؤمنين يوم بدر (وقيل يوم أحد) بمدد الملائكة الكرام؛ تطميناً لقلوبهم أمام حشود المشركين.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة والضحاك قالا: "أمد الله المسلمين يوم بدر بألف من الملائكة، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم بلغوا خمسة آلاف، وبشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك تثبيتاً لهم".
وروى البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدراً، رقم: ٣٩٩٢)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٩٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ألن يكفيكم
استفهام تقرير وتطمين؛ والكفاية هي سد الحاجة ودفع الخوف والمكروه.
أن يمدكم ربكم
الإمداد هو إرسال المدد والعون والزيادة المتتابعة في القوة والعتاد.
بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين
نزول جند السماء من العالم العلوي إلى ساحة المعركة لنصرة المؤمنين وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين.
إِذْ
ظرف لما مضى متعلق بنصركم.
تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
تقول مضارع فاعله أنت، وللمؤمنين متعلقان بتقول.
أَلَن يَكْفِيَكُمْ
الهمزة للتقرير والتطمين، لن ناصبة، يكفيكم مضارع منصوب والكاف مفعول به أول.
أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم
أن مصدرية، يمدكم مضارع والكاف مفعول به، ربكم فاعل مرفوع، والمصدر المؤول في محل رفع فاعل يكفيكم.
بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ
متعلقان بيمدكم، وآلاف مضاف إليه، ومن الملائكة نعت.
مُنزَلِينَ
حال منصوبة بالياء من الملائكة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير حي للدعم الإلهي الغيبي: بعد أن ذكّرهم بنصر بدر، فصّل هنا كيف كان هذا النصر وما هي أسلحة السماء التي أيدهم الله بها، مبيناً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبث فيهم اليقين بنزول آلاف الملائكة المقربين؛ ليربط قلوبهم بعالم الغيب وقدرة الله التي تفوق كل حسابات الأرض المادية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل كان نزول الملائكة في بدر أم في أحد؟ والتوفيق بين الآيات:
اختلف المفسرون: هل الوعد بالإمداد بثلاثة آلاف وخمسة آلاف كان في بدر أم في أحد؟
المحاكمة العقلية والتحقيق التاريخي:
١. القول الأول (جمهور السلف): إنه كان يوم بدر؛ بدأ بألف كما في سورة الأنفال ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، ثم زادهم الله إلى ثلاثة آلاف، ثم وعدهم بخمسة آلاف إن صبروا واتقوا، فصبروا ونزل الخمسة آلاف وقاتلت الملائكة عياناً وشهد الصحابة ضرباتهم وتكبيرهم.
٢. القول الثاني: إن الإمداد بالألف كان في بدر، ووعد الثلاثة والخمسة كان في أحد معلقاً بالصبر والتقوى، فلما فشل الرماة وعصوا وتنازعوا سُلبوا المدد ووقع الابتلاء. وكلا التوجيهين يثبت قاعدة واحدة: أن المدد الإلهي ينزل مع الصبر والتقوى ويُحجب عند المعصية والنزاع (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٠٨؛ زاد المعاد، ج٣، ص٢١٠).