أجمع القراء العشرة على فتح همزة وكسر نون ﴿إِنَّ﴾ الأولى والثانية، ودخول لام الابتداء والمزحلقة على الخبرين: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ و﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ لتوكيد الحقيقة ودفع كل شك.
﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ بجر "إله" بـ "من" الزائدة الاستغراقية، ورفع لفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ بدلاً من محل "إله" أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وكسر هاء الجلالة في الوصل على قراءة بعض القراء (معاني القرآن للزجاج، عالم الكتب، ج١، ص٤٢٠)مصدر غير محدد١/٤٢٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت هذه الآية لتقرير الحقيقة القرآنية الخالدة في قصة عيسى ومريم وأهل البيت النبوي، وإعلان بطلان ما ابتدعه النصارى من خرافات التثليث وأساطير البنوة والصلب، وقفل باب المحاجة بحسم التوحيد الخالص لله العزيز الحكيم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: هذا الذي تلونا عليك وقصصناه في هذه السورة من أمر عيسى هو الخبر الصادق الذي لا لبس فيه ولا باطل، وما سواه من أقوال اليهود والنصارى فهو باطل ومفتريات" (تفسير الطبري، ج٥، ص٤٣٥)مصدر غير محدد٥/٤٣٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
القصص
الأخبار المتتابعة المتناسقة التي تروى على وجه الصدق والاعتبار، مأخوذ من قَصَّ الأثر إذا تتبعه خطوة بخطوة.
الحق
المطابق للواقع المبرأ من شوائب التحريف والأوهام.
وما من إله إلا الله
كلمة التوحيد العظمى مصوغة بأعلى صيغ الحصر والاستغراق؛ لنفي وجود أي إله أو شريك أو ند في الكون إلا الله المعبود بحق.
العزيز
الغالب القاهر الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يغلبه غالب.
الحكيم
الذي يضع الأشياء في مواضعها المتقنة اللائقة بها خلقاً وتشريعاً وقدراً.
إِنَّ هَٰذَا
إن حرف توكيد ونصب، وها للتنبيه، وذا اسم إشارة مبني في محل نصب اسم إن.
لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
اللام المزحلقة للتوكيد، هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ)، والقصص خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة (أو خبر هو والجملة خبر إن)، والحق نعت للقصص مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ
الواو استئنافية أو عاطفة، ما نافية للجنس تعمل عمل ليس أو مهملة، من حرف جر زائد لاستغراق النفي وتوكيده، إله مبتدأ مجرور لفظاً مرفوع محلاً، إلا أداة حصر واستثناء ملغاة، والله لفظ الجلالة بدل من محل إله مرفوع وعلامة رفعه الضمة (أو خبر).
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
الواو عاطفة مؤكدة، إن واسمها، واللام المزحلقة، وهو ضمير فصل، والعزيز خبر أول، والحكيم خبر ثانٍ مرفوعان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج بياني وفلسفي بالغ الإحكام:
بدأ بإثبات صدق المنقول التاريخي: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾.
ثم رتب عليه النتيجة العقدية الكبرى التي هي لب الوجود: ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فإذا كان عيسى ولداً لمريم وخلقاً من تراب وعبداً ورسولاً، فقد بطلت ألوهيته وبطل الشرك وانحصرت الألوهية لله الفرد الصمد.
ثم ختم بتعليل هذا التدبير الإعجازي بصفتي العزة والحكمة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ فهو عزيز قادر على خلق عيسى بكلمة بلا أب، حكيم في جعل ذلك آية للعالمين وابتلاءً لقلوب العباد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: التشكيك في دقة النقل التاريخي للقرآن ومقارنته بالأناجيل الكنسية الأربعة:
يزعم النقاد الحداثيون أن الأناجيل أقرب زمناً لعيسى من القرآن، فالاعتماد عليها أولى تاريخياً!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. الأناجيل الأربعة الحالية لم تكتب في حياة عيسى، ولا بلسانه الآرامي، بل كتبت باليونانية بعد عقود متطاولة بأقلام مجهولة أو تلاميذ غير معصومين، ومليئة بالاختلافات الصريحة والتناقضات في الأنساب والوقائع، وألفت في ظل صراعات المجامع المسكونية وفرض التثليث بالقوة الإمبراطورية.
٢. القرآن الكريم نزل وحياً معجزاً محفوظاً بالتواتر اللفظي الحرفي الصوتي الصارم جيلاً عن جيل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ فشهادته التاريخية هي الحجة المهيمنة على ما قبلها ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، وتصحيحه لأخبار عيسى هو عين الصدق والمنطق البرهاني المنزه عن الخرافة والأساطير (الجواب الصحيح لابن تيمية، ج٢، ص٢٠-٥٠؛ إظهار الحق، ج١، ص١١٠-١٨٠).
توكيد الجملة الاسمية بأربع مؤكدات: إن، واسم الإشارة، ولام التوكيد، وضمير الفصل في ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ لقطع دابر أي تردد وتقرير اليقين في أعلى درجاته.
أسلوب الحصر بـ ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ المتضمن حرف الجر الزائد "من" لتأكيد شمول النفي لكل ما سوى الله تعالى من الآلهة المزعومة والأرباب المصطنعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
الثقة المطلقة بمصدر المعرفة؛ فالقرآن هو المرجع المعصوم الأوحد لتصحيح التاريخ الديني وإنقاذ البشرية من ضلالات التبديل والتحريف.
ربط الحقائق الإيمانية بأسماء الله وصفاته العلى (العزيز، الحكيم) لتكتمل في النفس هيبة الجلال وكمال الانقياد.
الوجدان الإيماني:
عمارة القلب بلذة التوحيد ونفي الشرك؛ فلا معبود بحق إلا الله، ولا مانح ولا نافع ولا قاهر سواه سبحانه وتعالى.