أجمع القراء العشرة على فتح لام ﴿جَعَلَهُ﴾ وضم الهاء، وكسر باء ﴿بُشْرَىٰ﴾ مقصوراً منصوباً على الاستثناء، ونصب نون ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ بأن مضمرة بعد لام التعليل، ورفع ﴿قُلُوبُكُم﴾ فاعلاً، وكسر زاي ﴿الْعَزِيزِ﴾ وميم ﴿الْحَكِيمِ﴾ نعتين للفظ الجلالة المجرور (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تنقية عقائدية كبرى لعقيدة التوكل؛ لئلا تظن النفوس أن النصر كان من صنيع الملائكة وقوتهم، بل النصر من الله وحده، وما كان إرسال الملائكة إلا بشارة وطمأنينة للقلوب البشرية الضعيفة.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: "﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ﴾ يعني: إمداد الملائكة، بشارة عاجلة تطمئن بها قلوبكم، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ لا بكثرة جند ولا بقوة ملائكة، بل بنصر الله وتأييده وحده".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
وما جعله الله إلا بشرى لكم
الضمير في "جعله" يعود على الإمداد بالملائكة؛ أي ما كان إنزالهم إلا إعلاماً بالبشارة بالظفر والتمكين لتستبشر نفوسكم.
ولتطمئن قلوبكم به
لتسكن نفوسكم وتزول عنها مخاوف القلة والضعف أمام جحافل العدو.
وما النصر إلا من عند الله
أسلوب حصر وقصر قطعي يقرر أن حقيقة النصر والخلق والتدبير والفتح إنما هي من الله وحده، لا من الأسباب ولا من الملائكة.
العزيز الحكيم
العزيز الذي لا يُغلب جنده، الحكيم في تدبير أسباب النصر ومواقيته وابتلاء خلقه.
وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ
الواو استئنافية، ما نافية، جعله فعل ومفعول أول، الله فاعل مرفوع.
إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ
إلا أداة حصر، بشرى مفعول به ثانٍ منصوب بفتحة مقدرة (أو مفعول لأجله)، ولكم نعت لبشرى.
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ
الواو عاطفة، اللام لام التعليل، تطمئن مضارع منصوب بأن مضمرة، قلوبكم فاعل، به متعلقان بتطمئن، والمصدر المؤول معطوف على بشرى بحذف معلل مقدر (أي: إلا للبشارة ولتطمئن).
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ
الواو استئنافية تقريرية حاصرة، ما نافية، النصر مبتدأ، إلا أداة حصر، من عند جار ومجرور خبر المبتدأ، والله مضاف إليه.
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
نعتان للفظ الجلالة مجروران بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة التوحيد ونزع التعلق بالأسباب: بعد أن أفاض في ذكر آلاف الملائكة ونزولهم ومسارعتهم وتسويمهم، خشي على النفوس أن تتعلق بالملائكة وتنسى رب الملائكة ومسبب الأسباب؛ فجاء هذا الحصر المزدوج:
١. حصر وظيفة الملائكة في "البشرى وطمأنينة القلوب" ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ﴾.
٢. حصر النصر الحقيقي في الله وحده لا شريك له ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
فكان هذا قمة الصفاء التوحيدي الذي يفرق بين "السبب الظاهر" وبين "الموجد الحقيقي".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: إذا كان النصر من عند الله وحده، فلماذا أنزل الملائكة أصلاً؟:
المحاكمة العقلية وفلسفة الأسباب في الإسلام:
١. الله تعالى قادر بكن فيكون أن يبيد جيوش الكفار بطرفة عين دون ملائكة ولا قتال، ولكن سنته الكونية والشرعية اقتضت ابتلاء الخلق بالخلق، وتربية المؤمنين على مباشرة الجهاد وبذل الجهد.
٢. الطبيعة البشرية يعتريها الخوف أمام تفوق العدو المادي العددي، فكان إنزال الملائكة تثبيتاً حسياً وروحياً لطمأنة القلوب وبث السكينة في الصدور، لتقوم الأسباب وتتحقق العبودية على أتم وجوهها، مع بقاء اليقين خالصاً بأن الصانع للنصر هو الله وحده (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج٨، ص٧٥-٨٥؛ التحرير والتنوير، ج٤، ص٦٥).
أسلوبا القصر المتواليان بـ (ما وإلا): ﴿وَمَا جَعَلَهُ... إِلَّا بُشْرَىٰ﴾ و﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾؛ لتفريغ القلب من أي تعلق بغير الله وتركيز التوكل عليه وحده.
ختام الآية بـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾؛ فالعزة تضمن القهر والغلبة، والحكمة تقتضي إنزال النصر في وقته اللائق بعد التمحيص والابتلاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
اتخاذ كافة الأسباب العسكرية والمادية مع القطع التام بأن النصر من فضل الله وتوفيقه وحده.
الحذر من نسبة الانتصارات والنجاحات إلى التخطيط البشري المجرد ونسيان فضل المنعم الأكبر.
الوجدان الإيماني:
انقطاع القلب إلى الله بالدعاء والاستنصار؛ فالمؤمن يعلم أن موازين القوى كلها بيد الله، فيطلب النصر من مالكه الحقيقي العزيز الحكيم.