فضح الموقف الخياني للمنافقين بقيادة عبد الله بن أبيّ بن سلول، حين تمرد ورجع بثلث الجيش (ثلاثمائة رجل) من شوط عند جبل أحد، متذرعاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم خالف رأيه وأطاع الشباب في الخروج من المدينة.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٠٧)مصدر غير محدد٥/٩٠٧ وابن أبي حاتم عن الزهري ومحمد بن كعب القرظي قالا: "لما رجع عبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الناس يوم أحد، تبعه عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه (والد جابر)، فقال: يا قوم، أذكركم الله في نبيكم وأنفسكم ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند عدوهم! فقالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، فلما أبوا عليه وعصوه، قال لهم: أبعدكم الله أعداء الله! فسيغني الله عنكم نبيه، ومضى وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد رضي الله عنه، فأنزل الله فيهم: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا قَاتِلُوا...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نافقوا
أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر والغدر؛ مأخوذ من نافقاء اليربوع وهو الجحر الذي يخفي مخرجه ليخرج منه إذا هوجم.
أو ادفعوا
الدفع هنا: إما الدفاع عن حرماتكم ونسائكم وبلدكم إن كنتم لا تقاتلون للدين، وإما تكثير سواد المسلمين لإرهاب العدو ودفعه برؤية الجمع.
لو نعلم قتالاً
لو نعلم وقوع قتال حقيقي لخرجنا، أو لو نحسن فنون القتال لقاتلنا؛ وهو اعتذار كاذب مكشوف قصدوا به التخذيل.
أقرب للكفر
أقرب حكماً وظهوراً للكفر وأهله؛ لتمالئهم مع المشركين وتخليهم عن المسلمين في أحرج ساعة.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا
الواو عاطفة، اللام للتعليل، يعلم مضارع منصوب والفاعل مستتر، الذين مفعول به، نافقوا صلة الموصول.
وَقِيلَ لَهُمْ
الواو حالية أو استئنافية، قيل ماض مبني للمجهول، ولهم متعلق به، ونائب الفاعل هو جملة مقول القول.
يقولون حال من ضمير هم، بأفواههم متعلق بيقولون، ما موصولة مفعول به، ليس فعل ماض ناقص واسمها مستتر، في قلوبهم خبرها، والجملة صلة ما.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ
الواو استئنافية، الله مبتدأ، أعلم خبره، بما يكتمون متعلق بأعلم، وجملة يكتمون صلة ما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نُظم هذا النص عطفاً على بيان المقصد الأول من البلاء (وليعلم المؤمنين)، فجاء هنا المقصد الثاني الموازي: (وليعلم الذين نافقوا)؛ فالمعركة الميدانية ليست مجرد صدام سيوف، بل هي "مصفاة كبرى" تفضح النفاق المستتر؛ فلولا انسحاب ابن أبيّ لبقي المنافقون في صفوف الجيش يزرعون الشكوك ويثبطون العزائم من الداخل. فكشف الله عوارهم وسجل مقالتهم الجبانة الكاذبة في اللوح المحفوظ، وحكم عليهم بأنهم في هذا الموقف خلعوا رداء التقية واقتربوا من صريح الكفر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة العذر السياسي للمنافقين ودحض حجتهم:
زعم ابن أبيّ وأتباعه أن انسحابهم كان لمجرد الاحتجاج السياسي على عدم الأخذ برأيهم في البقاء بالمدينة؛ فكشف القرآن كذبهم العقلي والواقعي:
أولاً: دعوا للقتال في سبيل الله فنكصوا، فتنزل معهم الناصح إلى أدنى درجات الوطنية الفطرية: (أو ادفعوا عن حرماتكم ونسائكم) فنكصوا أيضاً! مما يدل على خلو قلوبهم من كل حمية للدين أو للأرض.
ثانياً: قولهم: (لو نعلم قتالاً لاتبعناكم) كذب صريح في بديهة العقل؛ فجيش قريش جاء بحدّه وحديده وأفياله ونسائه على بعد أميال قاصداً استئصال المدينة، فكيف يزعم عاقل أنه لا يعلم وقوع قتال؟! بل كانوا يعلمون أنه قتال طاحن، ولكنهم أرادوا هزيمة النبي صلى الله عليه وسلم والشماتة به (تفسير الطبري، ج٥، ص٩١٠؛ زاد المسير، ج١، ص٣٥٢).
التنصيص على الآلة ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾: تأكيد ومبالغة في التجريد والتعرية؛ أي كلام صادر من مخارج الحروف باللسان والشفتين فقط لا رصيد له ولا حقيقة في باطن القلوب؛ لأن الإيمان الحقيقي ما وقر في القلب وصدقه العمل.
صيغة (أقرب) التفضيلية: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ﴾؛ إشارة إلى أن النفاق دركات متصاعدة، وأن للمواقف المحورية أثراً في إظهار النزوع الحقيقي للنفس؛ ففي الرخاء يلبسون مسوح الإيمان، وفي الشدة يميلون ميلاً حاسماً إلى الكفر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الطابور الخامس والمنافقين في أوقات الأزمات والحروب؛ فخطرهم على الجبهة الداخلية أشد من العدو الخارجي الصريح.
مطابقة الظاهر للباطن؛ فالمسلم الصادق لا ينافق ولا يخادع، بل يتطابق كلام لسانه مع نبض قلبه وعمله.