أجمع القراء العشرة على فتح كاف ولام ﴿تَعَالَوْا﴾، وكسر تاء ﴿الْكِتَابِ﴾، وتنوين ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ بالجر، ونصب ﴿أَلَّا نَعْبُدَ﴾ بأن المصدرية المضمرة، ونصب ﴿وَلَا نُشْرِكَ﴾ و﴿وَلَا يَتَّخِذَ﴾ بالعطف على نعبد.
قرأ الجمهور ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا﴾ بضم القاف والواو، وأمر المؤمنين بأن يقولوا ذلك لأهل الكتاب، وقرئ في الشواذ (فقولوا اشهدوا بإنّا) بالكسر على حكاية القول (معاني القرآن للفراء، دار المعارف، ج١، ص٢١٥)مصدر غير محدد١/٢١٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
كتب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية نصاً في كتابه الشهير إلى هرقل عظيم الروم يدعوه وقومه إلى الإسلام، وهو في أصح كتب السنة.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي، رقم: ٧)مصدر غير محددحديث رقم ٧ ومسلم (كتاب الجهاد والسير، رقم: ١٧٧٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧٣ من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهما في قصة هرقل، وفيه: "ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾".
ونزلت أيضاً في محاجة وفد نجران ويهود المدينة؛ لما دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع دينهم، فدعاهم إلى هذا الأصل المشترك المتفق عليه في سائر كتب الله قبل التحريف (تفسير ابن كثير، دار طيبة، ج٢، ص٥٥)تفسير القرآن العظيمابن كثير٢/٥٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أهل الكتاب
اليهود والنصارى، وإضافتهم إلى الكتاب تذكير لهم بما يحملونه من شرف الانتساب للوحي ليكون أدعى لقبول الحق.
تعالوا
هلموا وأقبلوا، وأصلها من العلو والرفعة كأن الداعي يدعو المدعو للارتفاع من حضيض الهوى إلى قمة الهدى.
كلمة سواء
الكلمة هنا هي القضية العقدية الجامعة، و"سواء" أي عدل ووسط ومستوية يستوي فيها علمنا وعلمكم، لا حيف فيها ولا غبن لأحد، وهي أصل دين الأنبياء جميعاً.
ألا نعبد إلا الله
إفراد الله بالعبادة ونفيها عما سواه، وهو معنى "لا إله إلا الله".
أرباباً من دون الله
جمع رب، والمراد اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً يشرعون لهم ويحللون ويحرمون فيطيعونهم في تبديل شرع الله كما جاء في تفسير آية التوبة.
اشهدوا بأنا مسلمون
إعلان الانقياد والاستسلام لله بالتوحيد، والتمايز العقدي عن أهل التبديل والشرك.
قُلْ
فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره أنت.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
يا حرف نداء، أهل منادى مضاف منصوب، والكتاب مضاف إليه مجرور.
تَعَالَوْا
اسم فعل أمر مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
إلى كلمة جار ومجرور متعلقان بتعالوا، سواء نعت لكلمة مجرور، بيننا ظرف مكان متعلق بسواء ونا مضاف إليه، وبينكم معطوف عليه.
أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ
أن مفسرة أو مصدرية، لا نافية، نعبد فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، وإلا أداة حصر، والله لفظ الجلالة مفعول به منصوب، والمصدر المؤول بدل من كلمة أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هي ألا نعبد).
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا
معطوف على ألا نعبد، وبه متعلقان بنشرك، وشيئاً مفعول به أو مفعول مطلق.
الفاء استئنافية، إن شرطية، تولوا فعل الشرط، الفاء رابطة لجواب الشرط، قولوا فعل أمر وفاعله وهو جواب الشرط، اشهدوا مقول القول لقولوا، وبأنا الباء حرف جر وأن واسمها وخبرها في محل جر بالباء متعلقان باشهدوا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب بديع في مسار المناظرة؛ فلما بلغ الحجاج مداه وانتهت آيات المباهلة، لم يغلق القرآن باب الرجوع والتلاقي على الحق، بل فتح للمنصفين أفقاً حوارياً راقياً يقوم على "القاسم المشترك الأعظم" وهو التوحيد الخالص ونبذ تأليه البشر. فإذا أبوا وتولوا عن العدل، انتقل الخطاب إلى إعلان المفاصلة العقدية التامة ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يدعو القرآن أهل الكتاب إلى "كلمة سواء" وهم كفار ومشركون؟ ألا يعد هذا إقراراً بصحة أديانهم الحالية؟:
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. الكلمة السواء لم تكن تنازلاً عن أصل التوحيد، بل فُسرت بالآية نفسها: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾؛ فالدعوة هي إلى التوحيد الصافي الذي تشهد به كتبهم الأصلية، وليست اعترافاً بشركياتهم ولا بتحريفاتهم.
٢. هذا الأسلوب يمثل ذروة الدبلوماسية الدعوية والإنصاف الجدلي؛ بالبدء بنقاط الاتفاق الأصلية لإلزام الخصم بحجته الذاتية وتجريده من مكابرته.
٣. ختم الآية بقوله ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ يبين أن المفاصلة هي الحكم النهائي عند الإصرار على الباطل، فلا مداهنة ولا تمييع للحق (منهاج السنة النبوية لابن تيمية، ج١، ص٥١٠؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٠٥).
التعبير بـ ﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ إيجاز بليغ لقاعدة العدل المطلق في الكون، وهي أن العبودية حق خالص لله، وأن البشر جميعاً متساوون في الفقر إليه.
تفصيل الكلمة السواء بعد إجمالها: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ... وَلَا نُشْرِكَ... وَلَا يَتَّخِذَ...﴾ تدرج في النفي من نفي عبادة الأصنام والآلهة إلى نفي الشرك الخفي إلى نفي تقديس القادة والعلماء وسلب خصائص التشريع عنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكاتبة الملوك والحكام والزعماء ودعوتهم إلى الإسلام بأرقى أساليب البيان والإنصاف.
الثبات على الهوية الإسلامية والاعتزاز بها علناً في وجه المعاندين؛ فالمسلم لا يستحي من دينه ولا يوارب في إعلان إسلامه.
الوجدان الإيماني:
استشعار الحرية الإنسانية الحقيقية في ظلال التوحيد؛ فالإسلام يحرر الإنسان من استعباد أخيه الإنسان، ويرفع كرامته بأن لا يركع ولا يخضع إلا لرب الأرباب.