أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿إِنَّ﴾، وتسكين شين وفتح تاء وراء مضمومة ﴿اشْتَرَوُا﴾، وكسر باء ﴿بِالْإِيمَانِ﴾، وتنوين ﴿أَلِيمٌ﴾ بالرفع نعتاً لعذاب (معجم القراءات لمختار عمر، ج١، ص٤٥٨)مصدر غير محدد١/٤٥٨.
سياق الأثر:
تأكيد وتعميم للحكم الصادر في الآية السابقة؛ ببيان خسران كل من رضي بالكفر بدلاً من الإيمان واستبدل الضلالة بالهدى.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٥٢)مصدر غير محدد٥/٩٥٢ عن قتادة قال: "هم المنافقون واليهود الذين عرفوا الحق وصدق النبي صلى الله عليه وسلم ثم اختاروا الكفر وعاوضوا به الإيمان، فكانت صفقتهم أخسر صفقة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اشتروا الكفر بالإيمان
استبدلوا الكفر وأخذوه، وبذلوا الإيمان وتركوه؛ مستعار من الشراء والبيع في التجارة.
عذاب أليم
عذاب مؤلم موجع يبلغ أقصى درجات الألم الحسي والنفسي.
إِنَّ الَّذِينَ
إن حرف توكيد ونصب، الذين اسم موصول في محل نصب اسمها.
لن ناصبة، يضروا مضارع منصوب والواو فاعل، لفظ الجلالة مفعول أول، شيئاً مفعول ثانٍ، والجملة في محل رفع خبر إن.
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
عاطفة، لهم خبر مقدم، عذاب مبتدأ مؤخر، أليم نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
نُظمت هذه الآية كتأكيد عقدي وميزان مالي وتجاري؛ ففي الآية السابقة وصفهم بـ (يسارعون في الكفر) وختم بـ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وهنا كشف عن حقيقة تصرفهم بأنهم (اشتروا الكفر بالإيمان) وختم بـ ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ ليدل على أن فعلهم هذا تجارة خاسرة بائرة، أخذوا فيها الخبيث ودفعوا الطيب، فاستحقوا العذاب الأليم الموجع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
المحاكمة العقلية لصفقة الكفر والإيمان:
يزن القرآن تصرف الكافر بميزان العقل التجاري المجرد: كل عاقل في الدنيا يسعى إلى الربح في البيع والشراء؛ فمن باع الذهب الخالص بالتراب الفاسد حكم عليه العقلاء بالسفه والجنون التام! فكيف بمن باع الإيمان بالله ورضوانه وجنات الخلود ليشتري كفراً يعقبه خزي الأبد وعذاب الجحيم؟! إنها قمة السفه الإنساني (تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٤٩)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٤/٢٤٩.
الاستعارة التصريحية التمثيلية: في ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؛ استعار الشراء لاختيارهم الضلال على الهدى لتقبيح فعلهم وتصويره في صورة الصفقة المغبونة التي يخسر فيها صاحبها كل رأس ماله.
التنويع بين (عظيم) في الآية السابقة و(أليم) هنا: للدلالة على اجتماع كل أوصاف العذاب في جهنم؛ فهو عظيم في هوله وقدره، وأليم في وقعه وإحراقه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الإيمان والتمسك بها كأغلى ما يملكه العبد؛ والحذر من التنازل عن ذرة من الدين مقابل حطام الدنيا الزائل.
اليقين بأن المرتد لا يضر إلا نفسه، وأن دين الله محفوظ غالب بأهله الصادقين.