أجمع القراء العشرة على فتح لام وميم ﴿لِمَ﴾ وحذف الألف لدخول حرف الجر على (ما) الاستفهامية، وفتح تاء وحاء ﴿تُحَاجُّونَ﴾ مع المد اللازم، وضم همزة ﴿أُنزِلَتِ﴾ مبنياً لما لم يسم فاعله، وجر ﴿التَّوْرَاةُ﴾ و﴿الْإِنجِيلُ﴾ على نيابة الفاعل.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بتاء الخطاب لأهل الكتاب تقريعاً وتوبيخاً (الحجة لابن خالويه، ص١١٣)مصدر غير محدد١١٣.
أسباب النزول وسياق الأثر:
أخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري (ج٥، ص٤٥٠)مصدر غير محدد٥/٤٥٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "اجتمعت نصارى نجران وأحبار اليهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنازعوا عنده؛ فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً! فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لم تحاجون
استفهام إنكاري توبيخي يقتضي التعجيب من جهلهم وتناقض دعواهم.
إبراهيم
خليل الرحمن وأبو الأنبياء، وسيد الحنفاء الذي يدعي كل فريق شرف الانتساب إليه.
وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده
حقيقة تاريخية وزمنية حاسمة لا تدع مجالاً للمراء؛ فبين إبراهيم وموسى نزول التوراة قرون متطاولة (أكثر من ألف عام)، وبين إبراهيم وعيسى نحو ألفي عام، فكيف ينسب السابق إلى اللاحق في مذهب أو شريعة حادثة؟!
اللام حرف جر، ما استفهامية حذفت ألفها، متعلقان بتحاجون، تحاجون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، وفي إبراهيم متعلقان بتحاجون، وإبراهيم مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
الواو حالية، ما نافية، أنزلت فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله والتاء للتأنيث، التوراة نائب فاعل مرفوع بضمة مقدرة، والإنجيل معطوف عليه، وإلا أداة حصر، ومن بعده جار ومجرور متعلقان بأنزلت والهاء مضاف إليه، والجملة في محل نصب حال مؤكدة لإنكار المحاجة.
أَفَلَا تَعْقِلُونَ
الهمزة للإنكار، الفاء عاطفة على مقدر، لا نافية، تعقلون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هدم منطقي كاسح لدعاوى الخصوم: لما زعم اليهود والنصارى أن النجاة محصورة في الانتساب لدينهم المحرف، نقض القرآن قاعدتهم بإيراد شخصية إبراهيم عليه السلام؛ وهو الأصل المشترك الذي يجمعون على نبوته وفضله وإمامته؛ فإذا كان إبراهيم قد دخل الجنة ونال رضوان الله وإمامته للناس قبل نزول التوراة والإنجيل بقرون، فإنه يثبت بالضرورة العقلية أن النجاة والهدى ليسا متوقفين على التهوّد ولا التنصّر، بل على جوهر دين إبراهيم وهو التوحيد الحنيف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة مغالطة المصادرة على المطلوب والإسقاط التاريخي عند أهل الكتاب:
زعم كل من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان تابعاً لملتهم!
المحاكمة العقلية والرد الصارم:
هذه مغالطة عقلية وتاريخية فاضحة تسمى "التناقض الزمني وتأخير المتقدم"؛ إذ لا يمكن عقلاً أن يكون المتقدم على الشيء تابعاً للشيء المتأخر عنه؛ فاليهودية شريعة خاصة نزلت على موسى بعد إبراهيم بأجيال، والنصرانية شريعة نزلت على عيسى بعده بألفي عام. فكيف يكون إبراهيم يهودياً أو نصرانياً والتوراة والإنجيل لم ينزلا إلا بعد موته بأحقاب مديدة؟!
وبذلك ألزمهم القرآن حجة داحضة لا قيام لها، وأبان تهافت عقولهم في قوله ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (تفسير الرازي، ج٨، ص٨٢؛ مدارك التنزيل للنسفي، دار الكلم الطيب، ج١، ص٢٥٢).