وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح لام وميم ﴿لِمَ﴾ وحذف الألف، وخطاب ﴿تَكْفُرُونَ﴾، وتنوين ﴿شَهِيدٌ﴾ بالرفع خبراً للمبتدأ (الله)، وجر ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ بما الموصولة أو المصدرية (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
عودة إلى تقريع أحبار أهل الكتاب بالمدينة لمواقفهم المتعنتة؛ فبعد أن أقام عليهم الحجج في تحريم الطعام وفي قبلة البيت الحرام وفرض الحج، وبان لهم صدق القرآن وتطابقه مع أصول كتبهم، أصروا على الكفر والعناد حسداً وبغياً، فجاء هذا الاستفهام الإنكاري المقرون بالوعيد بشهادة الله وإحصائه لأعمالهم.
قال قتادة ومجاهد: "﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن ودلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ من التكذيب والكتمان والتحريف، وسيجازيكم عليه بعدله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لم تكفرون بآيات الله
استفهام توبيخي يقرع ضمائرهم على الكفر مع قيام الحجج الباهرة.
والله شهيد
الشهيد هو المطلع الحاضر الرقيب الذي لا يغيب عنه شيء من حركاتهم وسكناتهم ومكائدهم، وهو اسم من أسماء الله الحسنى يقترن بالعلم والشهادة وإقامة الحجة.
على ما تعملون
يشمل أعمال القلوب من الحسد والغل، وأعمال الجوارح من الصد والتحريف والتكذيب.
الواو حالية مؤكدة للوعيد، الله مبتدأ، شهيد خبره، على ما متعلقان بشهيد، تعملون صلته، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إغلاق دائرة المراء؛ فبعد استيفاء البراهين العقلية والتاريخية والتشريعية في الآيات السابقة، انتقل الخطاب إلى التهديد المباشر بالرقابة الإلهية المحيطة التامة؛ ليُشعر هؤلاء المعاندين أن نقاشهم لم يعد مع محمد صلى الله عليه وسلم وحده، بل هم في مواجهة مباشرة مع الله الشاهد المحيط الذي يراهم ويحصي مؤامراتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا يكرر القرآن توبيخ أهل الكتاب في سورة آل عمران بأساليب متعددة؟:
المحاكمة العقلية والبلاغية:
تكرار التوبيخ والتقريع ليس تكراراً لفظياً مجرداً، بل كل موضع يعالج زاوية وجريمة مختلفة:
تارة يوبخهم على كتمان الحق، وتارة على خلط الحق بالباطل، وتارة على التناقض الزمني في إبراهيم، وتارة على الشبهات في تحريم الطعام وقبلة البيت الحرام.
وهذا التكرار مع تنويع البراهين هو عين الإعجاز البلاغي والنفسي؛ لإحاطة الخصم من كافة جوانبه وسد كل مهرب يمكن أن يتسلل منه (تفسير الفخر الرازي، ج٨، ص١٤٥)مصدر غير محدد٨/١٤٥.
جملة الحال ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ﴾ استعارة تمثيلية لقطع حبال الأمن الزائف؛ فالكافر قد يتستر في الغرف المظلمة لكنه مفضوح تحت نظر الشاهد الجبار.
إيثار اسم ﴿شَهِيدٌ﴾ على "عليم" لأن الشهادة تقتضي الحضور والمعاينة وإعداد الحجة للمحاكمة والقصاص.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
تذكير العصاة والمكذبين برقابة الله الدائمة لإيقاظ ضمائرهم وتليين قلوبهم.
ثبات الداعية ويقينه بأن جهوده وخصومات أعدائه مرصودة عند الله تعالى.
الوجدان الإيماني:
استشعار معية الله ومراقبته؛ فيستحي المؤمن من أن يراه ربه حيث نهاه أو يفقده حيث أمره.