قرأ العشرة ﴿الْحَقُّ﴾ برفع القاف المشددة على أنه مبتدأ خبره ﴿مِن رَّبِّكَ﴾، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو الحق)، وقرئ شاذاً بالنصب (الحقَّ) على الإغراء؛ أي: الزم الحق، والقراءة المتواترة هي الرفع بالضمة الدالة على ثبوت الحق واستقراره (الحجة في القراءات لابن خالويه، ص١١٢)مصدر غير محدد١١٢.
﴿فَلَا تَكُن﴾ بجزم المضارع بعد لا الناهية وحذف الواو لالتقاء الساكنين.
﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ بجر الياء لأنه جمع مذكر سالم، من الامتراء وهو الشك.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت هذه الآية تثبيتاً لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وتأكيداً للأمة قاطبة أن ما جاء في شأن عيسى وآدم هو الحق اليقيني الثابت الذي لا يأتيه الباطل، وتحذيراً من تسرب أدنى ريب أو شك ينشأ عن شبهات أهل الكتاب ومجادلاتهم الباطلة.
قال قتادة والربيع بن أنس: "﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هذا النبأ الذي أتتك به الرسل وتلي عليك في القرآن هو الحق الذي لا شك فيه، فلا تكن في شك منه، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة؛ لأن النبي معصوم من الشك" (تفسير الطبري، ج٥، ص٤٣٠)مصدر غير محدد٥/٤٣٠.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الحق
الثابت الذي لا يزول، المطابق للواقع والحقيقة، وضده الباطل والوهم والضلال.
من ربك
إضافة الحق إلى الرب المتصف بصفة التربية والتثبيت والعناية، لبيان أن مصدر هذا الحق هو منبع الهداية والرحمة.
الامتراء
افتعال من المرية، وهي الشك والتردد بين أمرين مع ميل النفس إلى التشكيك والجدل العقيم.
الْحَقُّ
مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِن رَّبِّكَ
جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه (أو الحق خبر لمبتدأ محذوف تقديره ذلك الحق، ومن ربك نعت).
فَلَا تَكُن
الفاء فصيحة، لا ناهية جازمة، تكن فعل مضارع ناقص مجزوم بالسكون وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، واسمه ضمير مستتر تقديره أنت.
مِنَ الْمُمْتَرِينَ
جار ومجرور في محل نصب خبر تكن، والممترين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج برهاني حاسم: بعد أن ساق الله الحجة الدامغة والمثل القاطع في قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، عقب فوراً بحسم مادة التردد: إن هذا البيان ليس رأياً بشرياً يقبل النقاش والتفاوض، بل هو الحق المحض الصادر من ربك الخالق العليم، فلا مجال بعد قيام الدليل والبرهان لأي شك أو امتراء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يُنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشك بقوله "فلا تكن من الممترين" مع أن الشك مستحيل على الأنبياء المعصومين؟:
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. أسلوب التعريض والمخاطبة في لغة العرب والقرآن الكريم: الخطاب قد يوجه إلى رأس القوم والمتبوع، والمراد به أتباعه وأمته، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أتقى الناس، ولكن التحذير للأمة من خلال شخصه المعصوم ليكون أوقع في النفوس وأشد ردعاً لكل متهاون.
٢. النهي عن الشيء لا يستلزم وقوعه؛ فالنهي قد يأتي طلباً للدوام والاستمرار على الثبات واليقين، كقولك للمصلي في صلاته: "اثبت على صلاتك ولا تقطعها"، فالمعنى: دم على يقينك الصادق ولا تلتفت إلى شبهات الممترين (تفسير الرازي، ج٨، ص٧٥؛ تفسير أبي السعود، ج٢، ص٤٨).