قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ بضم التاء وفتح الجيم مبنياً لما لم يسم فاعله على معنى رَدِّها إلى حكم الله وقضائه. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف ﴿تَرْجِعُ الْأُمُورُ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم مبنياً للفاعل من رجع الثلاثي؛ أي ترجع الخلائق وشؤونها بذواتها إلى ربها وخالقها، وكلتا القراءتين حق وصدق (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥٠)مصدر غير محدد٢/٢٥٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تقرير كمال الملكية والربوبية والسيادة المطلقة لله تعالى على جميع الأكوان والخلائق؛ تعليلاً لعدله وتنزهه عن الظلم في الآية السابقة؛ فالمالك لكل شيء لا يحتاج إلى ظلم أحد من ملكه.
قال مجاهد وقتادة: "﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يوم القيامة فيقضي بين عباده بعدله وحكمته التي لا جور فيها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ولله ما في السماوات وما في الأرض
تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر والاختصاص؛ فكل ما في العالم العلوي والسفلي من ذوات وأعراض ومخلوقات ملك خالص لله خلقاً وتدبيراً وتصريفاً.
وإلى الله ترجع الأمور
المرجع والمصير النهائي لجميع القضايا والمظالم والحساب إلى الله وحده؛ فلا حاكم ولا قاضٍ سواه.
ما اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، في السماوات صلته، وما في الأرض معطوف عليه.
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
الواو عاطفة، إلى الله جار ومجرور متعلقان بترجع مقدم للحصر، ترجع مضارع مبني للمجهول (أو للمعلوم على القراءة الأخرى)، الأمور نائب فاعل مرفوع (أو فاعل) بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
البرهان العقلي والشهودي على تنزه الله عن الظلم: لما قال في الآية السابقة ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ﴾، بيّن هنا برهان ذلك العقلي الصارم: فالإنسان إنما يظلم إما لحاجة تدفعه، أو لعجز يعتريه، أو لخوف يتهدده، أو لطمع في ملك غيره؛ والله سبحانه يملك كل ما في السماوات وما في الأرض، والخلائق كلها ترجع إليه وخاضعة لحكمه، فكيف يظلم من هو الغني المطلق والمالك الأوحد لكل ذرة في الوجود؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تعلق الطغاة بحصانة الأرض والهروب من العدالة:
قد يفلت الظالم في الدنيا من العقاب بنفوذه أو موته قبل القصاص منه!
المحاكمة العقلية وتطمين المظلومين:
نص الآية يقرر المحكمة الكبرى التي لا فكاك منها: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾؛ فكل الدماء التي أريقت، والأموال التي نهبت، والحقوق التي غصبت، ترجع إلى الحكم العدل فيقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، فتهدأ نفوس المظلومين بيقين القصاص الأخروي التام (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٦٥٥)جامع البيانالطبري٥/٦٥٥.