وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح همزة وواو ﴿أَوْلَى﴾ اسماً لإن منصوباً بفتحة مقدرة، وكسر لام التوكيد المزحلقة في ﴿لَلَّذِينَ﴾ والاسم الموصول في محل رفع خبر إن.
﴿وَهَٰذَا النَّبِيُّ﴾ برفع هذا عطفاً على محل خبر إن، أو بالابتداء وخبره محذوف، والنبي بدل من اسم الإشارة مرفوع، و﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوف عليه (إعراب القراءات السبع للنحاس، ج١، ص٣٦٠)مصدر غير محدد١/٣٦٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
لما تنازع اليهود والنصارى والمشركون إبراهيم، وكل يدعي أنه أولى به وأحق، أنزل الله هذه الآية قاطعة بحقيقة الموالاة والأحقية؛ وهي ولاية العقيدة والاتباع لا ولاية النسب والمصاهرة.
أخرج ابن أبي حاتم والترمذي في سننه (كتاب التفسير، رقم: ٢٩٩٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٩٥ وحسنه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أولى الناس
أحقهم به وأخصهم بصحبته وموالاته ووراثة مقامه ودعوته، من الولي وهو القرب والدنو.
للذين اتبعوه
الذين ساروا على منهجه في زمانه ومن جاء بعده متمسكاً بدينه الحنيف غير مبدل.
وهذا النبي
محمد صلى الله عليه وسلم، والإشارة بالقريب لتعظيمه ولبيان حضوره المشهود بالحق والصدق.
والذين آمنوا
صحابة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته المؤمنة إلى يوم القيامة.
والله ولي المؤمنين
ناصرهم وحافظهم ومؤيدهم وكافيهم في الدارين.
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ
إن واسمها منصوب بفتحة مقدرة، الناس مضاف إليه، وبإبراهيم جار ومجرور متعلقان بأولى.
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ
اللام المزحلقة، الذين اسم موصول مبني في محل رفع خبر إن، واتبعوه صلة الموصول.
وَهَٰذَا النَّبِيُّ
الواو عاطفة، ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل رفع معطوف على الذين، والنبي بدل أو عطف بيان مرفوع بالضمة.
وَالَّذِينَ آمَنُوا
معطوف على اسم الإشارة، وجملة آمنوا صلته.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
الواو استئنافية، الله مبتدأ، ولي خبر مرفوع، والمؤمنين مضاف إليه مجرور بالياء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النتيجة التشريعية والعقدية الطبيعية للآية السابقة: لما برأ إبراهيم من اليهودية والنصرانية وأثبت أنه حنيف مسلم، بيّن هنا من هم الوارثون الحقيقيون له وأصحاب الحق في الانتساب إليه؛ وهم أتباعه المعاصرون له، وخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون به؛ لأنهم وحدهم الذين حققوا التوحيد الذي نادى به إبراهيم، وجاهدوا في سبيله كما جاهد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة استحقاق اليهود للولاية الإبراهيمية بالنسب العرقي (بنو إسرائيل وأبناء إسحاق):
يتفاخر اليهود بأنهم نسل إبراهيم ويعتقدون أنهم "شعب الله المختار" بفضل دمائهم وأنسابهم!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. النسب البيولوجي لا يغني عند الله شيئاً إذا فُقد الإيمان والاتباع؛ فابن نوح غرق مع الكافرين وقال الله لنوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، وأبو إبراهيم آزر كان مشركاً وتبرأ منه إبراهيم لما تبين له أنه عدو لله.
٢. إبراهيم نفسه لما سأل ربه الإمامة لذريته: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ جاءه الجواب الإلهي الصارم: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فقطع الله أطماع وراثة النبوة بالظلم والشرك.
٣. الوراثة الحقيقية هي وراثة العقيدة والمنهاج؛ ومحمد صلى الله عليه وسلم وأمته هم الذين حافظوا على قبلة إبراهيم ومناسكه وتوحيده الخالص وبراءته من الشرك، فكانوا أولى به عقلاً ونقلاً وواقعاً (زاد المعاد لابن القيم، ج٣، ص٦٣٥؛ منهاج السنة، ج٥، ص١٨٠).
التعبير بـ ﴿وَهَٰذَا النَّبِيُّ﴾ بالإشارة القريبة الحاضرة تنويهاً بشأنه وإظهاراً لقربه الشديد من قلب الخليل في المعنى والحقيقة.
التذييل باسم الجلالة والولاية ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حصر للولاية في دائرة أهل الإيمان دون غيرهم، وإشعار بأن شرف المؤمنين مستمد من ولاية الله لهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
إسقاط النعرات القومية والعرقية؛ فرابطة الإيمان والاتباع هي الرابطة الوحيدة المعتبرة في ميزان الله، وهي التي تجمع بلالاً الحبشي وصهيباً الرومي وسلمان الفارسي في نسب إيماني واحد مع إبراهيم ومحمد.
التمسك بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لنيل شرف الولاية الإبراهيمية والمحمدية.
الوجدان الإيماني:
عظمة الشرف والأمان الذي يغمر قلب المؤمن حين يستشعر أن الله تعالى هو وليه وناصره وكافيه في كل شدة.