أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿إِنَّ﴾، ونصب ﴿كُفْرًا﴾ على التمييز لازدادوا، وفتح باء ﴿لَّن تُقْبَلَ﴾ مبنياً للمفعول بتاء التأنيث لتأنيث التوبة، ورفع ﴿تَوْبَتُهُمْ﴾ نائباً للفاعل، ورفع ﴿الضَّالُّونَ﴾ بالواو خبراً لاسم الإشارة مع المد اللازم الكلمي المثقل بمقدار ست حركات (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٧)مصدر غير محدد٢/٢٤٧.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت في صنف معاند متمرد من أهل الكتاب أو المنافقين؛ الذين كفروا بعد معرفتهم بالحق ثم استمروا في غيهم وتراكم كفرهم وظلوا يعتدون ويحاربون دين الله حتى باغتهم الموت، أو أعلنوا توبة متأخرة عند معاينة سكرات الموت وبأس الله حيث لا تنفع توبة.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن قالا: "نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بالتوراة، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن وبذنوبهم التي أحدثوها، فلن تقبل توبتهم عند الموت إذا عاينوا بأس الله وملائكة العذاب".
وروي عن مجاهد وعكرمة: "ازدادوا كفراً أي ثبتوا على كفرهم وأصروا عليه وماتوا وهم عليه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ثم ازدادوا كفراً
التراخي بـ "ثم" يدل على تماديهم مع الزمن في أنواع من الكفر والعداوة والصد عن سبيل الله ونقض العهود.
لن تقبل توبتهم
نفي قاطع للقبول؛ إما لأنهم يتوبون توبة كاذبة ظاهرية، أو يتوبون حين تطلع الشمس من مغربها أو عند معاينة الغرغرة والموت؛ حيث ينقفل باب التوبة بنص الأحاديث النبوية.
وأولئك هم الضالون
الهالكون الغارقون في الضلال الذي لا يرجى معه خلاص.
إِنَّ الَّذِينَ
إن واسمها.
كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ
فعل وفاعل صلة الموصول، بعد ظرف وإيمانهم مضاف إليه.
ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا
ثم عاطفة، ازدادوا فعل وفاعل، كفراً تمييز منصوب بالفتحة.
لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
لن نافية ناصبة، تقبل مضارع مبني للمجهول، توبتهم نائب فاعل مرفوع، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن.
وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ
الواو استئنافية، أولئك مبتدأ، هم ضمير فصل (أو مبتدأ ثانٍ)، الضالون خبر مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
والآية الحاضرة: ذكرت الفريق الآخر الذي استمرأ العناد، وأصر على البغي، وتراكم كفره وزاد ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فهذا مآله الخذلان، ولا تقبل توبته الصورية المتأخرة عند معاينة الموت، لتكتمل القسمة العقلية والشرعية للمصيرين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: كيف يقال "لن تقبل توبتهم" مع أن نصوص القرآن تقرر أن الله يقبل توبة كل تائب؟:
المحاكمة العقلية والتحقيق السلفي الأصولي:
نفي قبول التوبة هنا مقيد بأحد وجهين محكمين:
١. أن توبتهم وقعت عند الغرغرة ومعاينة العذاب والموت؛ وتوبة اليأس والبأس لا تقبل بنص القرآن الصريح: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وكما قال في فرعون: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس: ٩١].
٢. أن ازديادهم في الكفر وتراكم الران على قلوبهم سلبهم التوفيق للتوبة النصوح الصادقة؛ فصارت توبتهم مجرد كلام باللسان مع بقاء إصرار الكفر في الباطن، ومثل هذه التوبة المخادعة لا يقبلها الله تعالى (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج١٦، ص٥٥-٦٥؛ تفسير القرطبي، ج٤، ص١٣٠).