قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر المدني: ﴿سَارِعُوا﴾ بحذف الواو على الاستئناف البياني الحاثّ على البدار بالأمر، وقرأ الباقون (ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَسَارِعُوا﴾ بإثبات الواو عاطفةً على ما تقدم من الأمر بالطاعة والتحذير من النار في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وكلتا القراءتين متواترتان سبعيتان (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٤)مصدر غير محدد٢/٢٤٤.
أسباب النزول وسياق الأثر:
روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه وابن عباس رضي الله عنهما أن الآية حثت المؤمنين لما نالهم ما نالهم يوم أحد من الحزن والقرح، فدعاهم الله تعالى إلى ألا يقعد بهم الأسف بل يبادروا إلى نيل المغفرة والتسابق في ميادين التوبة والجهاد.
أخرج أحمد في المسند (رقم: ٢٣٨٦١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٣٨٦١ وأبو داود في الزهد والترمذي عن طارق بن شهاب: أن قوماً من الروم أو اليهود قالوا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أرأيتم قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين تكون النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء النهار فأين يكون الليل؟ وإذا جاء الليل فأين يكون النهار؟ قالوا: لقد نزعت بما في التوراة، وهو مثل ضربه الله تعالى لتقريب ما غاب عن العقول في ملكوته العظيم" (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١١٥؛ وصححه الحاكم والذهبي).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المسارعة
المفاعلة من السرعة، والمسارعة مبالغة في السرعة، وتدل على الجد والمبادرة واغتنام الأوقات قبل الفوات، وضدها الإبطاء والتسويف.
العرض
ضد الطول، واستعمال العرض هنا من باب التمثيل؛ إذ جرت عادة العرب في وصف الشيء المفرط في الاتساع بأن يعبروا بعرضه؛ لأن الطول في الغالب يكون أزيد من العرض، فإذا كان عرضها كعرض السماوات والأرض فما الظن بطولها؟ (الكشاف للزمخشري، ج١، ص٤١٥)الكشافالزمخشري١/٤١٥.
وَسَارِعُوا
الواو عاطفة، سارعوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ
جار ومجرور متعلقان بالفعل (سارعوا).
مِّن رَّبِّكُمْ
جار ومجرور نعت لـ (مغفرة).
وَجَنَّةٍ
معطوف على (مغفرة) مجرور بالكسرة.
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ
جملة اسمية في محل جر نعت ثانٍ لـ (جنة)، عرضها: مبتدأ مرفوع والهاء مضاف إليه، السماوات: خبر مرفوع بالضمة، والأرض: معطوف عليه.
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
أعدت: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هي، والجملة في محل جر نعت ثالث لـ (جنة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما حذر سبحانه في الآيات السابقة من الربا وأمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، ناسب أن يعقب ذلك بالترغيب الأسمى في الجنة ونعيمها: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ليجمع في تربية النفوس بين الترهيب من نار أعدت للكافرين، والترغيب في جنة أعدت للمتقين، ولئلا يستولي اليأس على نفوس من وقع منهم خلل أو ذنب يوم أحد، فيفتح لهم باب المسارعة التوبة والمغفرة على مصراعيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع إشكال التحديد المكاني بين الجنة والنار:
أورد بعض المشككين: إذا كانت الجنة وحدها عرضها السماوات والأرض، فأين توضع النار؟ وقد أجاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله عنهم بالجواب البرهاني الحاسم: "أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ وأين يكون النهار إذا جاء الليل؟"، والمعنى العقلي المحكم: أن قدرة الله تعالى ومخلوقاته أعظم من السماوات والأرض المشاهدة؛ فعالم الآخرة يباين عالم الشهادة، وسعة ملكوت الله لا تنحصر فيما أدركته الحواس الدنيوية المحدودة، كما أن السماوات والأرض تتبدل يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٧٦٠؛ مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٠).
صيغة المفاعلة في ﴿سَارِعُوا﴾ توحي بالتسابق والتنافس في الطاعات، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
التعبير بالمغفرة قبل الجنة؛ لأن التخلية قبل التحلية، فلا يدخل الجنة إلا من طهره الله تعالى من دنس الذنوب بمغفرته ورحمته.
قوله ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ بصيغة الماضي، دليل قطعي عند أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن أعدهما الله تعالى، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا لا تخلقان إلا يوم الجزاء (شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ص٣٩٩)مصدر غير محدد٣٩٩.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحريم التسويف والتأجيل في التوبة؛ فإن المسارعة واجبة شرعاً على الفور.
عظمة الجزاء تدل على عظمة المطلوب؛ فمن كان يطلب جنة عرضها السماوات والأرض، فكيف يركن إلى حطام دنيا زائلة أو يأسف على فوات مغنم دنيوي كما حدث في غنائم أحد؟