تقرير وتأكيد للسنة الإلهية الجارية التي ضربها الله على بني إسرائيل المعاندين؛ وهي الذلة والمسكنة واللعنة التي لحقت بهم بسبب تاريخهم الإجرامي في كفرهم بآيات الله وقتلهم للأنبياء بغير حق.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس وقتادة قالا: "﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ أي ألزموها وجُعلت عليهم كالقبة المضروبة، ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي بعهد وذمة من الله ورسوله بجزية يؤدونها، أو عهد وحلف من الناس يحميهم به".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ضربت عليهم الذلة
الضرب هنا استعارة لإحاطة الذلة بهم ولزومها لهم كضرب الخيمة والفسطاط أو ضرب الطين على الجدار؛ فلا ينفكون عن الهوان والصغار.
أين ما ثقفوا
أينما وُجدوا وأدركوا وظُفر بهم في أي زمان ومكان.
إلا بحبل من الله وحبل من الناس
استثناء؛ أي لا عاصم لهم من القتل والسبي إلا بعهد وذمة شرعية يقرها الله بحقن دمائهم بالجزية، وعهد من الناس بحمايتهم والتحالف معهم.
وباءوا بغضب من الله
رجعوا وانقلبوا متلبسين ومتحملين لسخط الله ومقته.
وضربت عليهم المسكنة
فقر النفس وذلة الفؤاد والخوف الدائم مهما كثرت ثرواتهم.
يقتلون الأنبياء بغير حق
تأكيد لبشاعة جرائمهم التاريخية بقتل زكريا ويحيى وغيرهما من أنبياء الله.
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
ضربت ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث، عليهم متعلقان بضربت، الذلة نائب فاعل مرفوع بالضمة.
أَيْنَ مَا ثُقِفُوا
أين ظرف مكان شرطي مبني، ما زائدة، ثقفوا ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل في محل جزم فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه ما قبله.
إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ
إلا أداة استثناء، بحبل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال (أي ملتبسين بحبل أو مستعصمين بحبل)، ومن الله نعت لحبل.
وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ
معطوف عليه.
وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ
فعل وفاعل، وبغضب متعلقان بباءوا، ومن الله نعت لغضب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل وتجذير تاريخي لحالة المهانة: لما أخبر في الآية السابقة أنهم إن قاتلوا ولوا الأدبار، بين هنا أن هذا الخذلان ليس عارضاً ولا صدفة، بل هو قدر مقدور وسنة محكمة أحاطت بهم عبر القرون؛ لأن من بارز الله بقتل أصفيائه ورسله واستحل سفك الدماء الزكية حرمه الله من العزة وحكم عليه بالصغار والتبعية لغيره إلا بحبال المعاهدات الدنيوية الهشة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال "ضربت عليهم الذلة" ونراهم في أزمنة ينالون قوة أو يقيمون دولاً؟:
المحاكمة العقلية وفهم استثناء القرآن المحكم:
١. الاستثناء الإلهي هو مفتاح الفهم: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾؛ فالقرآن لم يقل إنهم لن تقوم لهم قائمة مطلقاً، بل بيّن أن عزوتهم وقوتهم ليست نابعة من شجاعة ذاتية ولا تأييد إلهي، بل هي مستعارة ومستندة حصراً إلى "حبال الناس"؛ أي تحالفات الإمبراطوريات والدول الكبرى التي توظفهم وتدعمهم لمصالحها، فإذا انقطعت حبال الناس عادت عليهم الذلة والمسكنة كأصل لا فكاك منه.
٢. مسكنة الباطن: الذعر النفسي والخوف المتمكن من قلوبهم حتى خلف الجدران المحصنة مصداق لقوله: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر: ١٤] (تفسير المنار، ج٤، ص٦٠؛ في ظلال القرآن لسيد قطب، ج١، ص٤٤٠).