أجمع القراء العشرة على فتح همزة وواو ﴿أَوَلَمَّا﴾، وتخفيف ميم ﴿مُّصِيبَةٌ﴾ وتنوينها بالرفع فاعلاً، وتثنية ﴿مِّثْلَيْهَا﴾ منصوبة على المفعولية بالياء، وقرأ الجمهور بفتح أنى مقصورة ﴿أَنَّىٰ هَٰذَا﴾ اسم استفهام بمعنى من أين وكيف (الكشف عن وجوه القراءات لمكي، ج١، ص٣٦٠)مصدر غير محدد١/٣٦٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
مكاشفة ربانية لما دار في نفوس الصحابة بعد انقضاء معركة أحد؛ حين استشهد منهم سبعون ورجعوا ينوحون ويتساءلون في حيرة ودهشة: أنى هذا الانكسار ونحن مسلمون ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدونا مشركون يعبدون الأوثان، والله وعدنا النصر؟! فأنزل الله الحسم الصريح لسبب الهزيمة.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٩٨)مصدر غير محدد٥/٨٩٨ والترمذي (رقم: ٣٠١٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠١٠ وحسنه والإمام أحمد في المسند عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما قالا: "لما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون، وكان يوم بدر أصيب من المشركين سبعون قتيلاً وسبعون أسيراً (فذلك مِثْلاها)، فلما قال المسلمون يوم أحد: أنى هذا ونحن جند الله ورسوله فينا؟ أنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ يعني بمعصيتكم لرسول الله يوم الرماة وتنازعكم في الغنيمة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المصيبة
كل مكروه ينزل بالإنسان من قتل أو جرح أو هزيمة.
أصبتم مثليها
أوقعتم بالمشركين يوم بدر ضِعف ما نالكم يوم أحد؛ قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، بينما أصابوا منكم في أحد سبعين قتيلاً فقط بغير أسرى.
أنى هذا
من أين أتى هذا الانكسار والخذلان وكيف وقع ونحن أولياء الله؟
من عند أنفسكم
من شؤم ذنوبكم ومخالفتكم لأمر نبيكم صلى الله عليه وسلم حين ترك الرماة أماكنهم وتنازعوا وفشلوا.
أَوَلَمَّا
الهمزة للاستفهام الإنكاري التعجيبي، الواو عاطفة على مقدر، لما حينية ظرفية شرطية خافضة لشرطها متعلقة بجوابها.
أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ
أصابتكم ماض والتاء للتأنيث والكاف مفعول، مصيبة فاعل، والجملة في محل جر بإضافة لما إليها.
قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا
قد حرف تحقيق، أصبتم ماض وفاعله، مثليها مفعول به منصوب بالياء لأنه مثنى وها مضاف إليه، والجملة في محل رفع نعت لـ (مصيبة).
قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا
قلتم جواب الشرط لما، أنى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم، هذا اسم إشارة مبتدأ مؤخر، والجملة مقول القول.
قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ
قل أمر وفاعله مستتر، هو مبتدأ، من عند جار ومجرور خبر هو، وأنفسكم مضاف إليه، والجملة مقول القول لـ قل.
إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تذييل بتمام القدرة وسننية المشيئة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يمثل "حجر الزاوية في فقه النقد الذاتي وتشخيص أسباب الهزائم" في الفكر الإسلامي؛ فالقرآن يمنع المسلمين منعاً باتاً من إلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية، أو التعلق بالأوهام الساذجة القائلة بأن مجرد الانتساب الشكلي للإسلام يوجب النصر الأوتوماتيكي المعطل للسنن! بل واجههم بالمعادلة الرياضية الواقعية أولاً: (أصبتم مثليها ببدر) لتخفيف وقع المصيبة وإثبات أن الحصيلة العامة ما زالت لصالحكم، ثم واجههم بالسبب الجذري الكامن في سلوكهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التناقض بين نصرة الله لأوليائه وهزيمتهم في المعارك:
قد يثور إشكال عقلي: كيف يُهزم جيش يقوده رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه كبار الصحابة أمام جيش يقوده مشرك كأبي سفيان يعبد الأصنام؟
والتحقيق البرهاني لأهل السنة: أن النصر الإلهي مشروط بالطاعة وامتثال السنن الربانية؛ فالله تعالى لم يجعل لأحد حصانة من السنن الكونية حتى لرسله، ولذلك لما وقعت المعصية الميدانية من الرماة وتنازعوا وفشلوا، ترتب على ذلك خذلانهم جزاءً وفاقاً، ليعلم المسلمون إلى يوم القيامة أن النصر لا ينزل مع المعصية والفرقة ولو كان الرسول في الجيش! فلو انتصروا مع معصيتهم لبطلت فائدة الأمر والنهي، ولاستوى الطائع والعاصي، وظن الناس أن النصر جزاف أو محاباة، وحاشا لله ذلك (مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص١٧٢؛ زاد المعاد، ج٣، ص٢٣٠).
الموازنة الرقمية الدقيقة: ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾؛ أسلوب إقناعي إحصائي يعيد التوازن النفسي للجيش المنكسر، ويبين أن النصر الاستراتيجي العام للإسلام لا يزال متقدماً على كفر قريش.
الحصر والقصر بضمير الفصل: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾؛ قطع لكل محاولات الهروب من المسؤولية، وتوجيه الأنظار إلى الداخل لإصلاح مكامن الخلل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ ثقافة "المسؤولية الذاتية والنقد البناء" عند الفشل الإداري أو العسكري أو الدعوي؛ فالبداية تكون دائماً بسؤال النفس: أين قصرنا؟ وما هي ذنوبنا ومخالفاتنا؟
تحريم الغرور والاتكال على المكانة الدينية المجردة؛ فالسنن الإلهية لا تحابي أحداً.