أجمع القراء العشرة على فتح همزة وميم ﴿أَمْ﴾، وكسر ميم ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ﴾ للتخلص من التقاء الساكنين، وقرأ الجمهور بنصب ميم ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ على الصرف؛ أي بأن مضمرة بعد واو المعية في جواب النفي، وقرأ الحسن البصري بالرفع على الاستئناف، وقرئ بالجزم عطفاً على (يعلم) الأولى، والقراءة المتواترة المنصوبة تفيد نفي الجمع بين ادعاء دخول الجنة وانتفاء حقيقة الجهاد والصبر (إعراب القراءات السبع وعللها لابن خالويه، ج١، ص١١٥)مصدر غير محدد١/١١٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
خطاب استنهاضي موجه للمؤمنين إثر ما أبدوه من جزع أو تمنٍّ للرخاء بعد وقعة أحد؛ ليبين لهم سنن استحقاق الجنة، وأن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن سلعة الله الغالية لا تنال إلا ببذل النفوس والصبر على المكاره.
أخرج عبد الرزاق في مصنفه وابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٠٦)مصدر غير محدد٥/٨٠٦ عن قتادة ومجاهد قالا: "أُنزل هذا العتاب للمؤمنين حين استثقلوا ما أصابهم يوم أحد، وظن بعضهم أن الجنة تُنال بالأماني المجردة دون مجاهدة الأعداء ومصابرة الشدائد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أم
منقطعة بمعنى بل والهمزة، للإضراب الانتقالي الممزوج بالإنكار والتقريع؛ أي بل أحسبتم وظننتم.
الحسبان
الظن والتقدير الباطل غير المطابق للواقع.
لمّا
حرف نفي وجزم وقلب، وتختص عن "لم" بإفادة نفي الفعل واستمرار نفيه إلى زمن التكلم، مع توقع وثبوت وقوعه في المستقبل؛ أي ولم يجاهدوا بعدُ جهاداً يتحقق به علم الله الظاهر في الواقع.
أَمْ
حرف إضراب واستفهام إنكاري.
حَسِبْتُمْ
فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل.
أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
أن المصدرية وفعل مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي حسبتم، الجنة مفعول به على السعة أو منصوب بنزع الخافض.
الذين: مفعول به لـ يعلم، جاهدوا: صلة الموصول، ومنكم: حال.
وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ
الواو واو المعية، يعلم: مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد واو المعية، والفاعل مستتر تقديره هو، الصابرين: مفعول به منصوب بالياء، والمصدر المؤول معطوف على مصدر مسبوك؛ والمعنى: لا يجتمع دخولكم الجنة مع انتفاء علم الله بجهادكم وصبركم معاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلسل بياني محكم يوقظ العزائم؛ فبعد أن بين أن سنة التاريخ هي الابتلاء والتمحيص، قفل الطريق على أي توهم بأن الإيمان دعوى كلامية باردة تنال بها أعلى المنازل، فواجههم بالاستفهام الإنكاري الصاعق ليعيد صياغة تصورهم عن شروط النصر واستحقاق الفردوس، وأنه لا بد من عبور قنطرة المجاهدة ومكابدة الصبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التناقض بين سعة رحمة الله واشتراط البلاء والجهاد لدخول الجنة:
قد يسأل سائل: أليست الجنة بفضل الله ورحمته، فما بالها تشترط بالجهاد والمشاق والآلام؟
والتحقيق العقلي الإيماني: أن فضل الله تعالى ورحمته اقتضت حكمته ألا يسوي بين المجاهدين الصابرين وبين القاعدين المتكاسلين؛ فذلك مقتضى العدل المطلق: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. كما أن الجنة درجات، والدرجات العلى تستلزم كمال النفوس وطهارتها وتجردها، والجهاد في سبيل الله والصبر على المكاره هو المحك الذي يفجر الطاقات الإيمانية ويثبت صدق المحبة (مدارج السالكين لابن القيم، ج٣، ص١٥)مدارج السالكينابن القيم٣/١٥.
حرف النفي ﴿لَمَّا﴾ دون (لم): إعجاز بياني دقيق؛ لأن "لما" تؤذن بقرب وقوع المنفي وتوقعه؛ ففيها حث وإيماء إلى أنكم ستجاهدون مستقبلاً وتصبرون ويتحقق منكم ما يستوجب دخول الجنة، وفيه تطمين لنفوسهم بأن ما فاتهم يوم أحد يمكن استدراكه فيما يستقبلونه من غزوات.
إفراد الصابرين بعد المجاهدين: إشارة إلى أن الجهاد يحتاج إلى الصبر، فالجهاد بذل في ساعة، أما الصبر فملازمة مستمرة في السراء والضراء، والصبر نصف الإيمان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إسقاط ثقافة "التمني الخالي من العمل"؛ فالجنة حُفت بالمكاره كما حفت النار بالشهوات.