وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر نون ﴿فَمَنِ﴾ لالتقاء الساكنين في الوصل، وبناء ﴿افْتَرَىٰ﴾ على فتح مقدر في محل جزم فعل الشرط، وكسر كاف ﴿ذَٰلِكَ﴾، ورفع ﴿الظَّالِمُونَ﴾ بالواو خبراً للمبتدأ (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تسجيل إلهي صريح لجريمة الافتراء والظلم على كل من استمر من أحبار اليهود في نسبة تلك المحرمات والبدع إلى الله وإلى شريعة إبراهيم بعد قيام البينة وعجزهم عن إخراج التوراة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ أي: من بعد ما وضح له البرهان من التوراة وسنة إسرائيل، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ المعتدون الذين يستحقون مقت الله وعقابه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
افترى
الافتراء هو اختلاق الكذب وصناعته عن عمد وقصد.
على الله الكذب
بنسبة التحريم والتشريع والبدع إلى ذات الله بغير وحي.
من بعد ذلك
بعد قيام الحجة وسقوط الشبهة والتحدي بالتوراة.
هم الظالمون
حصر الظلم فيهم؛ لأن أعظم الظلم هو الكذب على الله وتضليل عباده.
فَمَنِ
الفاء استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ.
افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
افترى فعل ماض فعل الشرط وفاعله مستتر، على الله متعلقان بافترى، الكذب مفعول به منصوب.
مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ
جار ومجرور متعلقان بافترى، وذلك مضاف إليه.
فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، أولئك مبتدأ، هم ضمير فصل، الظالمون خبر مرفوع بالواو، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعقيب جزائي حاسم: لما تحداهم في الآية السابقة بإحضار التوراة وعجزوا عن ذلك وفُضح بهتانهم، قطع الطريق على أي مراوغة مستقبلية؛ فبين أن من يستمر بعد هذا البيان القاطع في ترويج الأكاذيب ونسبة التحريمات الباطلة إلى الله، فهو ظالم معتدٍ مستحق لأقصى درجات الذم والعقوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خطورة التشريع بغير ما أنزل الله والتحليل والتحريم بالهوى:
لماذا جعل الله الافتراء عليه بالكذب أعظم الظلم؟
المحاكمة العقلية وتأصيل التوحيد التشريعي:
التحليل والتحريم حق خالص لله تعالى، فمن حرّم ما أحل الله أو أحل ما حرّم الله فقد نازع الله في ربوبيته وخاصية تشريعه، وضل وأضل غيره من العباد، وهذا أشنع أنواع التعدي على حقوق الخالق والمخلوق معاً: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] (أحكام القرآن لابن العربي، دار الكتب العلمية، ج١، ص٣٤٠)مصدر غير محدد١/٣٤٠.