أجمع القراء العشرة على كسر لام الجر في ﴿لِنَفْسٍ﴾ وتنوينها، وتسكين نون ﴿أَن تَمُوتَ﴾ ونصب التاء بأن، وتنوين ﴿كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ بالفتح مصدراً مؤكداً، ونون العظمة في ﴿نُؤْتِهِ﴾ مع كسر الهاء وصلتها بياء عند ابن كثير (حجة القراءات، ص١١٣)مصدر غير محدد١١٣.
سياق الأثر:
تثبيت لقلوب المؤمنين ودفع للجبن والهلع الذي اعترى بعض المقاتلين يوم أحد خوفاً من الموت؛ ببيان أن الآجال مقدرة ومكتوبة بأمر الله، لا يقدمها إقدام ولا يؤخرها إحجام.
أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٢٢)مصدر غير محدد٥/٨٢٢ عن السدي قال: نزلت هذه الآية فيمن قعد عن القتال خوفاً من القتل، فأعلمهم الله أن الموت حتم لا ينجي منه فرار، وأن لكل إنسان أجلاً لا يتعداه.
وكان حبيب بن مسلمة الفهري رضي الله عنه إذا لقي العدو قال لأصحابه: "يا أهل الإسلام، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾، فقاتلوا واصبروا فإن الأجل محدود".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بإذن الله
بقضائه وقدره ومشيئته التكوينية النافذة.
كتاباً مؤجلاً
كتاباً مصدر مؤكد لفعل مقدر (كتب الله ذلك كتاباً)، ومؤجلاً: له أجل ووقت معلوم محدد لا يتقدم دقيقة ولا يتأخر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج علاجي بديع في تربية النفوس؛ لما أخبرهم في الآية السابقة أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيموت كبقية الرسل، كشف لهم هنا عن قانون الآجال الكلي: لا رسول ولا غيره يموت إلا بأجل محتوم. فإذا كان الموت حتماً مقضياً لا يزيده الجهاد ولا ينقصه القعود، فلماذا يفر الجبان ولماذا يتردد الشجاع؟ ثم عقب ذلك بتقسيم همم الناس في ساحة المعركة: فمنهم من خرج لثواب الدنيا (الغنائم وحطام المعركة كمن نزل من الرماة)، ومنهم من ثبت لثواب الآخرة (كعبد الله بن جبير وأنس بن النضر).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة الجبرية في القضاء والقدر ونفي التكليف:
قد يتوهم واهم أن تقدير الآجل ﴿كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ يلغي إرادة الإنسان أو يسقط لوم من ترك واجباً!
والرد العقلي الشرعي: أن الله تعالى كتب الآجال بناءً على علمه الأزلي المحيط التام بالأسباب والمسببات؛ فالقاتل يقتل باختياره وكسبه ويستحق العقاب بذنبه، والمقتول مات بأجله المقدر المقترن بسببه. وقوله سبحانه في نفس الآية: ﴿وَمَن يُرِدْ... وَمَن يُرِدْ﴾ برهان قاطع على إثبات الإرادة الحرة والاختيار للعبد؛ فالإنسان مكلف ومسؤول عن قصده ونيته، وثوابه وعقابه مرتبان على إرادته وكسبه (شفاء العليل لابن القيم، ص١٤؛ المنهاج في شعب الإيمان للحليمي، ج١، ص٣١٢).
التنكير في ﴿لِنَفْسٍ﴾: يفيد العموم والاستغراق التام؛ فلا يستثنى من هذا القانون ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا كافر فاجر.
التعبير بـ ﴿مِنْهَا﴾ في الجزاءين: في ثواب الدنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ التبعيض دلالة على أن طالب الدنيا لا ينال منها إلا ما كُتب له وقد يحرم، بينما في الآخرة نؤتيه من جنسها العظيم، وجاء التذييل ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ مؤكداً بالسين ليدل على تمام النعيم والرضوان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلوب من الخوف والجبن؛ فالموت بيد الله وحده لا بيد عدو ولا بسيف ولا بمرض.
تنقية النية والقصد في العمل الدعوي والجهادي والاجتماعي؛ والحذر من أن يكون حظ العبد من عمله الديني مجرد حطام دنيوي عاجل يزول سريعاً.