قرأ الكسائي وحده: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر الهمزة استئنافاً وتأكيداً على عدم إضاعة الأجر. وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بفتح الهمزة عطفاً على (بنعمة)؛ أي يستبشرون بنعمة وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥١؛ التيسير للداني، ص٩٢).
سياق الأثر:
تأكيد وتكميل لما قبله من بهجة الشهداء الكبرى وسعادتهم الفائقة بما يفيض الله عليهم من النعيم المضاعف؛ والشهادة بأن وعد الله حق وأن عمل المؤمن لا يضيع منه مثقال ذرة.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٢٦)مصدر غير محدد٥/٩٢٦ عن مجاهد وقتادة قالا: "هذا إخبار من الله تعالى عن تمام رضوان الشهداء وسرورهم حين عاينوا حقيقة ثواب الله وكرمه؛ فاستبشروا بالنعمة والفضل، وبأن الله لا يبطل عمل عامل أحسن عملاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
النعمة
الثواب المستحق بالوعد الإلهي؛ وهو الأجر والجنة.
الفضل
الزيادة على الأجر المكافئ للعمل؛ وهو من إحسان الله المحض وكرمه الذي لا يبلغه عمل، كقوله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾.
لا يضيع
لا يهمل ولا يبطل ولا ينقص من أجورهم شيئاً.
يَسْتَبْشِرُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة حال ثالثة أو بدل من قوله (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم) في الآية السابقة لتأكيد الاستبشار.
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ
بنعمة جار ومجرور متعلقان بيستبشرون، من الله نعت لنعمة، وفضل معطوف عليه.
وَأَنَّ اللَّهَ
الواو عاطفة، أن حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل، لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة (أو استئنافية بكسر الهمزة على قراءة الكسائي).
لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
لا نافية، يضيع مضارع والفاعل مستتر، أجر مفعول به والمؤمنين مضاف إليه، والجملة في محل رفع خبر أن، والمصدر المؤول معطوف على (نعمة) في محل جر؛ والمعنى: يستبشرون بنعمة وبعدم إضاعة أجر المؤمنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا النص ليقرر قاعدة عقدية كبرى في ميزان الجزاء الرباني؛ فبعد أن ذكر فرحهم بما آتاهم الله في أنفسهم وبإخوانهم في الآية السابقة، كشف هنا عن سر ذلك الفرح المستمر: إنهم يتقلبون بين "النعمة" (الأجر الموعود) و"الفضل" (الزيادات والكرامات الإلهية التي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)، مع اليقين المطلق بأن أجر أي مؤمن يجاهد أو يعمل في طاعة الله محفوظ عند ربه لا يضيع ولا ينقص.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة العوض الحتمي والاستحقاق الذاتي على الله:
عطف ﴿وَفَضْلٍ﴾ على ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ يبطل مذهب المعتزلة القائلين بـ "وجوب الصلاح والأصلح واستحقاق العبد للأجر بذاته على الله كما يستحق الأجير أجرته"! فالآية فرقت بين النعمة (الجزاء المرتب على العمل بفضل الوعد) والفضل (العطاء الإلهي المحض الذي لا يقابله عمل)؛ ليدرك العقل أن كل نعيم في الجنة إنما هو من فيض فضل الله ورحمته، لا بمعاوضة عقلية واجبة على الله تعالى (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٨٧؛ مجموع فتاوى ابن تيمية، ج٨، ص٢٠٥).
تكرار فعل ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: للتأكيد على تجدد الفرح والبشارة جيلاً بعد جيل، وأن عالم البرزخ للشهداء ليس ركوداً، بل هو دائم الابتهاج والتألق.
الجمع بين (النعمة) و(الفضل): فالنعمة تقابل الجهد المبذول وتوفيته، والفضل إحسان رباني مطلق يغمر العبد بما لم يكن في حسابه ولا طاقته.
التذييل بالجملة التوكيدية المقررة: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ تطمين لكل مؤمن باقٍ في دار التكليف أن دمه وعرقه وماله وصبره في عين الله ورعايته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بعدالة الله؛ فما من تضحية يبذلها الداعية أو المجاهد إلا وهي مدخرة موفورة عند ربه تفيض عليه نعيماً وفضلاً.
عمارة القلوب بحسن الظن بالله ورجاء فضله الواسع الذي لا يحده حد.