وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على ضم همزة ﴿أُولَٰئِكَ﴾ وفتح كاف الخطاب، وتنوين ﴿مَّغْفِرَةٌ﴾ بالرفع خبراً للمبتدأ (جزاؤهم)، ورفع ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ عطفاً عليها، وكسر نون ﴿وَنِعْمَ﴾ وإسكان العين، وقرأ شعبة وأبو جعفر بكسر العين وكسر النون اتباعاً، وقرأ قالون وأبو عمرو باختلاس كسرة العين، وكلها أوجه فصيحة في فعل المدح (حجة القراءات لابن خالويه، ص١١٢)مصدر غير محدد١١٢.
سياق الأثر:
وعد إلهي قاطع لمن قام بتلك الأعمال المذكورة من الإنفاق وكظم الغيظ والعفو والتوبة النصوح، بأن جزاءهم ليس مجرد النجاة، بل المغفرة التامة ودخول الجنات والخلود فيها ونيل مدح الرب الكريم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الجزاء
المقابل والمكافأة على العمل، واستعمل هنا في الفضل العظيم تفضلاً من الله وإحساناً.
نعم أجر العاملين
نعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح، وأجر العاملين فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره (هي: أي الجنة، أو ذلك الجزاء).
أُولَٰئِكَ
اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، والكاف حرف خطاب.
جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ
جزاؤهم مبتدأ ثانٍ، والهاء مضاف إليه، مغفرة: خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل رفع خبر المبتدأ الأول (أولئك).
مِّن رَّبِّهِمْ
جار ومجرور نعت لـ (مغفرة).
وَجَنَّاتٌ
معطوف على مغفرة مرفوع بالضمة.
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
جملة فعلية في محل رفع نعت لـ (جنات).
خَالِدِينَ فِيهَا
خالدين: حال منصوبة بالياء من الضمير المستكن في جنات أو من أصحابها المقدرين، وفيها متعلق بخالدين.
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
الواو استئنافية، نعم: فعل ماض جامد لإنشاء المدح، أجر: فاعل مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والعاملين: مضاف إليه مجرور بالياء، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: جنات النعيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاء هذا النص ختاماً متناسقاً لتفصيل صفات المتقين؛ فبعد أن أوجب المسارعة إلى مغفرة وجنة في الآية ١٣٣، وعرّف صفات المستحقين لها في الآيتين ١٣٤ و١٣٥، حكم هنا بالإشارة العالية ﴿أُولَٰئِكَ﴾ المتضمنة رفعة منزلتهم وبعد درجتهم في الفضل، مؤكداً أن ذلك الجزاء هو ثمرة عمل وجهاد وإحسان، فختم بقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة العمل والاستحقاق الذاتي على الله:
قوله ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ قد يوهم أن العمل هو العلة الموجبة بذاتها للجنة بالعوض والاستحقاق المحض على الله تعالى كما ذهبت المعتزلة، والتحقيق العقلي والشرعي لأهل السنة: أن العمل سبب جعله الله بفضله ورحمته طريقاً للجنة، لا أن العبد يستحق الجنة استحقاق الأجير أجرته من المستأجر؛ لحديث عائشة وأبي هريرة في الصحيحين: "سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة" (صحيح البخاري، رقم: ٥٦٧٣)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٦٧٣. فالمغفرة فضل، وتسمية النعيم أجراً من باب التكريم والإحسان الإلهي (تفسير ابن عطية، ج١، ص٥٠٩)مصدر غير محدد١/٥٠٩.