قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي ﴿أَنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ بفتح الهمزة على تقدير لام الجر وحذفها، أي: ولأن الله ربي وربكم، أو عطفاً على قوله ﴿بِآيَةٍ﴾ أو ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم﴾ في الآية السابقة. وقرأ الباقون من العشرة ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف البياني وهو أبلغ في تقرير التوحيد الصريح وابتداء النداء العقدي القاطع (الكشف عن وجوه القراءات لمكي بن أبي طالب، مجمع اللغة العربية بدمشق، ج١، ص٣٤٨).
أسباب النزول وسياق الأثر:
أعلن عيسى عليه السلام هذه الكلمة القاطعة في مواجهة بني إسرائيل وفي مواجهة كل غلو يطرأ بعده، ليبرئ نفسه من كل دعوى ألوهية، ويضع القاعدة الكلية التي تلزم كل مخلوق بعبودية الخالق وحده.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ما قال عيسى لقومه قط إنه إله أو ابن إله، بل كان أول كلامه في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، وكان ختام دعوته وبلاغه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، ولكن الغالين من أتباعه افتروا عليه بعد رفعه" (تفسير ابن جرير الطبري، ج٥، ص٣٩٥)مصدر غير محدد٥/٣٩٥.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ربي وربكم
الرب هو الخالق المالك المدبر المنعم بالمربيات الحافظ للعباد، وتأكيد عيسى على مربوبيته وخضوعه لربوبية الله مساواة صريحة بينه وبين سائر البشر في حقيقة العبودية والافتقار لله تعالى.
فاعبدوه
إفراد الله تعالى بالتأله والخضوع والامتثال الظاهر والباطن دون شريك ولا واسطة.
صراط مستقيم
الصراط هو الطريق الواسع الواضح، والمستقيم هو القويم الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء، وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة وطاعة رسله.
إِنَّ
حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر.
اللَّهَ
اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
رَبِّي
خبر إن مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
وَرَبُّكُمْ
الواو عاطفة، ربكم معطوف على ربي مرفوع بالضمة، والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
فَاعْبُدُوهُ
الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر أي: إذا كان الله ربي وربكم فاعبدوه، اعبدوه فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
الها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، صراط خبره مرفوع، ومستقيم نعت مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة جامعة لكل ما تقدم من الآيات والكرامات والمعجزات؛ فبعد أن عدّد عيسى الآيات الباهرة (خلق الطير، إبراء المرضى، إحياء الموتى، الإنباء بالمغيبات، تحليل الطيبات)، كان من المتوقع أن تقف العقول مبهوتة أمام هذا العطاء الإعجازي، فجاءت هذه الآية بمثابة "حزام الأمان العقدي" الذي يحسم الأمر ويمنع أي انحراف ذهني نحو تأليه المسيح، معلناً: إن الصانع الحقيقي لكل هذا هو الله ربي وربكم، وما أنا إلا عبد ممتثل فاعبدوا الله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التثليث والحلول والاتحاد عند النصارى:
يزعم النصارى أن الله تجسد في المسيح أو أنه الأقنوم الثاني المنبثق من الآب!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم:
١. إقرار عيسى الصريح: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ يقضي ببطلان ألوهيته من فمه هو نفسه؛ فالرب لا يكون مربوباً، والإله لا يكون له إله ورب يملكه ويدبره. فإن كان عيسى إلهاً فمن هو ربه الذي يعترف به ويخضع له؟!
٢. تسويته بين نفسه وبين قومه في العبودية ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ تهدم خرافة الخصوصية الإلهية أو البنوة الذاتية المزعومة؛ فالصلة بين عيسى والله هي عين الصلة بين سائر البشر والله: صلة المخلوق بالخالق والمربوب بالرب الحكيم.
٣. تفرع العبادة عن الربوبية بالفاء في ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ يبين أن استحقاق العبادة مقصور حصراً على الخالق الرب، وبما أن عيسى ليس رباً فلا يستحق ذرة من العبادة ولا يُدعى من دون الله (رد مطاعن النصارى وإثبات نبوة نبينا، للإمام القرافي، دار البشائر، ص١١٠؛ إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي، دار الجيل، ج٢، ص٤٢٠).