وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح همزة ﴿وَأَمَّا﴾، وكسر همزة الوصل في ﴿ابْيَضَّتْ﴾ وصلاً وسكون تاء التأنيث، ورفع ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ فاعلاً، وكسر هاء الجلالة في ﴿رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، ورفع ﴿خَالِدُونَ﴾ بالواو خبراً للمبتدأ (هم) (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بشارة عليا لأهل التوحيد والاتباع والائتلاف؛ المقابلين لأهل السواد والخزي، ببيان مآلهم الأبدي في جنات النعيم ورحمة الله الواسعة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يعني: في جنته ونعيمه المقيم، سُميت الجنة رحمة لأنهم دخلوها برحمة الله وفضله، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يخرجون منها ولا يبغون عنها حِولاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ابيضت وجوههم
استنارت بالنور والسرور ورضوان الرب الكريم.
ففي رحمة الله
استعارة تصريحية للجنة ونعيمها وكرامة الله، وسميت الجنة رحمة لأنها مظهر رحمته الكبرى وأثر فضله على أوليائه.
هم فيها خالدون
خلود دائم ونعيم مقيم لا ينقطع ولا ينغص بكدر ولا موت ولا فناء.
وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ
الواو عاطفة، أما أداة تفصيل، الذين مبتدأ، ابيضت وجوههم فعل وفاعل والجملة صلة الموصول.
فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ
الفاء رابطة لجواب أما، في رحمة جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ (الذين)، والله مضاف إليه.
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
هم مبتدأ، فيها متعلقان بخالدون، خالدون خبر مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة (أو خبر ثانٍ للذين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اكتمال مشهد العدل والرحمة الإلهية: بعد أن فصل عذاب أصحاب الوجوه المسودة وجرعهم التقريع، ثنى بأصحاب الوجوه المبيضة المستنيرة، فعبر عن جزائهم بـ ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ دون التصريح بلفظ الجنة ابتداءً؛ للإشعار بأن أعظم ما يظفر به المؤمن في دار الخلود ليس مجرد القصور والأنهار، بل هو شمول رحمة الله ورضوانه وسماع خطابه الكريم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تسمية الجنة "رحمة الله" وعلاقة ذلك بحديث "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله":
المحاكمة العقلية وتأصيل فضل الله:
هذا التعبير القرآني المعجز ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ يصدق الحديث النبوي المتواتر: "لن يدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"؛ فالمؤمن يعلم أن طاعاته واستقامته هما توفيق من رحمة الله، ودخوله الجنة برحمة الله، وبقاءه خالداً فيها برحمة الله، فالأمر كله لله من قبل ومن بعد (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٩٠؛ شرح النووي على مسلم، ج١٧، ص١٥٨).