ومد ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ جمع إِنى أو إِنْي وهو الوقت والساعة بالفتح والمد على الظرفية الزمانية، ورفع ﴿يَسْجُدُونَ﴾ بالواو والنون حالاً من فاعل يتلون (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
قمة الإنصاف والعدل القرآني الإلهي: لما ذم الله أهل الكتاب في الآيات السابقة بفسق أكثريتهم وضرب الذلة عليهم، قالت أحبار اليهود للمؤمنين منهم (كعبد الله بن سلام وأصحابه): ما تركتم ديننا إلا لأنكم شرارنا! فأنزل الله هذه الآيات تبرئة لهم وتزكية لعبادتهم وطاعتهم.
أخرج أحمد في المسند (رقم: ٣٩٤٨)مصدر غير محددحديث رقم ٣٩٤٨ وابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "أخّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: أما إنه ليس أحد من أهل الأديان يذكر الله في هذه الساعة غيركم! ثم قرأ هؤلاء الآيات: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾".
وروى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس: "نزلت في عبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن شعبة، ومن آمن معهم من أهل الكتاب؛ لما أسلموا وثبتوا على قيام الليل وتلاوة القرآن".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ليسوا سواء
كلمة فصل وميزان قسط؛ أي ليس أهل الكتاب مستوين في الأحكام والأخلاق والمصير، بل هم صنفان متمايزان.
أمة قائمة
مستقيمة على أمر الله، قائمة بالحق، وقائمة في صلاتها بالليل تتهجد وتخشع.
يتلون آيات الله آناء الليل
يقرؤون القرآن في ساعات الليل المظلمة؛ والآناء جمع إِنى وهو الوقت والساعة.
وهم يسجدون
السجود هنا الصلاة الكاملة بركوعها وسجودها وخضوعها.
لَيْسُوا سَوَاءً
ليس فعل ماض ناقص والواو اسمها وسواء خبرها، والجملة مستأنفة تقريرية.
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ
من أهل جار ومجرور خبر مقدم، والكتاب مضاف إليه، أمة مبتدأ مؤخر، قائمة نعت لأمة مرفوع.
يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ
يتلون مضارع والواو فاعل، آيات مفعول به منصوب بالكسرة، والله مضاف إليه، والجملة نعت ثانٍ لأمة (أو خبر).
آنَاءَ اللَّيْلِ
ظرف زمان منصوب متعلق بيتلون، والليل مضاف إليه.
وَهُمْ يَسْجُدُونَ
الواو حالية، هم مبتدأ، يسجدون خبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو يتلون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إنصاف قرآني مبهر يرفض التعميم الأعمى: السورة وهي تسوق أقسى التوبيخات لمكر الأحبار وكفرهم، وقفت فجأة عند قوله ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ لتنير هذا المشهد الخاشع المتهجد؛ لتخبر أن من بين هؤلاء القوم رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فآمنوا بالقرآن وأحيوا لياليهم بالتهجد والسجود، فاستحقوا الخلود في سجلات الصديقين المقربين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: هل هذه التزكية باقية لمن بقي على يهوديته ونصرانيته دون إسلام بمحمد؟:
المحاكمة العقلية وتناسق نصوص الوحي:
نص الآيات المتتالية قاطع في أن هؤلاء الممدوحين هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن:
١. قوله ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ والمراد بها القرآن العظيم بدلالة سياق أسباب النزول كعبد الله بن سلام.
٢. قوله في الآية التالية ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهو وصف الأمة المحمدية بنصه في الآية (١١٠).
٣. حتى لو قيل إنهم كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مستمسكين بدين التوراة والإنجيل الأصليين تائبين، فإنهم عند مبعثه آمنوا به كما آمن النجاشي وعبد الله بن سلام وسلمان، فالتزكية هي لمن سلك صراط التوحيد الحق (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٧، ص٥٦٠؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٠٢).