قرأ ابن كثير ﴿آن يُؤْتَىٰ﴾ بهمزة ممدودة على الاستفهام الإنكاري التوبيخي (أَأَنْ يُؤتى). وقرأ الباقون من العشرة ﴿أَن يُؤْتَىٰ﴾ بهمزتين محققتين أو همزة واحدة مفتوحة على الخبر، والمعنى: لا تطمئنوا ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة والفضل والكرامة (معجم القراءات، ج١، ص٤٠٥)مصدر غير محدد١/٤٠٥.
﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ﴾ قرئت بالرفع ﴿يُحَاجُّونَكُمْ﴾ في الشواذ، والمتواتر بالجزم أو النصب معطوفاً على يؤتى بحذف النون والواو فاعل.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تتمة لكلام الطائفة اليهودية المتآمرة وتوصياتهم السرية، واعتراض قرآني حاسم في ثنايا كلامهم رداً عليهم؛ فقد أوصى زعماء اليهود أتباعهم بأن لا يقروا لأحد بفضل ولا يظهروا ما عندهم من العلم إلا لمن كان على دينهم ويهوديتهم حسداً أن تكون النبوة في غير بني إسرائيل، فرد الله عليهم باعتراض بياني معجز: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ﴾ و﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾.
روى الطبري (ج٥، ص٤٨٠)مصدر غير محدد٥/٤٨٠ عن مجاهد وقتادة قالا: "كانت اليهود تقول لسفلتها: لا تؤمنوا ولا تصدقوا أن أحداً يؤتى من الوحي والكرامة مثل ما أوتيتم أنتم يا معشر بني إسرائيل، ولا تقروا لهم بذلك فيحاجوكم به عند ربكم وتلزمكم الحجة، فقال الله لنبيه: قل يا محمد إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم
أي لا تصدقوا ولا تطمئنوا ولا تعترفوا بفضل ولا تطلعوا على سركم إلا من وافقكم على يهوديتكم.
قل إن الهدى هدى الله
جملة معترضة جامعة؛ أي إن الهدى الحقيقي ليس هو ما أنتم عليه من العصبية والأوهام، بل هو هداية الله التي يشرح بها صدور من يشاء من خلقه للنبوة والإيمان.
أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم
أي حسداً منكم أن ينزل الله على أمة العرب ومحمد صلى الله عليه وسلم مثل ما آتاكم من الكتب والنبوات.
أو يحاجوكم عند ربكم
أي لئلا يغلبوكم بالحجة عند الله يوم القيامة بإقراركم السابق.
إن الفضل بيد الله
الفضل هو النبوة والرحمة والاصطفاء والتوفيق، وهو ملك لله وحده يتصرف فيه بحكمته ومشيئته لا بمقاييسكم العرقية الباطلة.
واسع عليم
واسع الفضل والجود والعطاء لا تنفد خزائنه، عليم بمن يستحق فضله ورسالته وكرامته.
وَلَا تُؤْمِنُوا
الواو عاطفة على اكفروا، لا ناهية، تؤمنوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، والجملة من بقية كلام الطائفة.
إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ
إلا أداة حصر، لمن اللام زائدة لتقوية العامل أو أصلية ومن اسم موصول في محل جر، وجملة تبع دينكم صلته.
قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ
جملة اعتراضية من كلام الله، قل أمر، إن واسمها منصوب بفتحة مقدرة، هدى خبر مرفوع بضمة مقدرة، والله مضاف إليه.
أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ
أن مصدرية، يؤتى مضارع مبني لما لم يسم فاعله منصوب بالفتحة المقدرة، أحد نائب فاعل، مثل مفعول به ثانٍ، وما موصولة مضاف إليه، وأوتيتم صلتها، والمصدر المؤول متعلق بتؤمنوا على حذف حرف الجر (أي: لا تؤمنوا بأن يؤتى أحد).
أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ
معطوف على يؤتى منصوب بحذف النون، والكاف مفعول به، وعند ظرف مكان، وربكم مضاف إليه.
الاعتراض البلاغي في قوله ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ﴾ لقطع الطريق على شبهاتهم قبل اكتمالها، وإشعار بأن القضية محسومة عند الله ولا عبرة بأوهام البشر.
الاستعارة التمثيلية في ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾؛ للتعبير عن كمال التصرف والملك والقدرة المطلقة في منح النعم والنبوات لمن يشاء سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
علاج داء الحسد؛ فالحسد الديني والعرقي أهلك الأمم السابقة وجعلهم يكفرون بالنبي الخاتم بعد معرفتهم بصدقه.
التسليم المطلق لفضل الله وقسمته، فلا يعترض مؤمن على ما اختاره الله لحكمته.
الوجدان الإيماني:
استشعار سعة فضل الله ورحمته ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ فخزائن الله ملأى لا تغيضها نفقة، فيقبل العبد على ربه سائلاً من فضله العظيم متوكلاً على علمه الحكيم.