قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ بنصب الراء معطوفاً على ﴿يَقُولَ﴾ في الآية السابقة المنصوب بأن؛ أي: وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ثم يقول... ولا أن يأمركم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ﴿وَلَا يَأْمُرُكُمْ﴾ برفع الراء على الاستئناف؛ أي: ولا يأمركم الله أو لا يأمركم ذلك البشر، والرفع أبلغ في الاستئناف والقطع لنفي هذا الأمر كلياً (الحجة لابن خالويه، ص١١٥)مصدر غير محدد١١٥.
رد على طوائف الشرك من العرب الذين عبدوا الملائكة وزعموا أنهم بنات الله، وعلى النصارى الذين عبدوا عيسى، وعلى اليهود الذين اتخذوا عزيراً رباً من دون الله؛ فبينت الآية استحالة أن يكون هذا الشرك صادراً عن أمر الرسل الكرام.
قال قتادة وابن زيد: "قالت قريش: الملائكة بنات الله وعبدوها، وقالت النصارى: المسيح ابن الله وعبدوه، وقالت اليهود: عزير ابن الله وعبدوه، فبرأ الله أنبياءه من أن يكون أحد منهم أمر الناس بذلك الشرك الأكبر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ولا يأمركم
نفي صريح لصدور أي أمر بعبادة المخلوقين من قِبل الأنبياء.
أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً
الاتخاذ هو الاعتقاد والتصرف؛ أي تجعلونهم آلهة تدعونهم وتستغيثون بهم وتخضعون لهم كخضوعكم للخالق.
أيأمركم بالكفر
استفهام إنكاري تقريعي؛ نعت هذا الفعل بأنه "كفر" صريح لا شبهة فيه؛ فعبادة الملائكة والأنبياء كفر مخرج من الملة باتفاق الشرائع.
بعد إذ أنتم مسلمون
شناعة الانتكاس والردة بعد نعمة التوحيد والاستسلام لله.
وَلَا يَأْمُرَكُمْ
الواو عاطفة، لا نافية، يأمرَكم مضارع منصوب بالعطف على "يقولَ" (أو مرفوع بالاستئناف على قراءة الرفع)، والكاف مفعول به أول، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على النبي المذكور (أو لفظ الجلالة).
أَن تَتَّخِذُوا
أن مصدرية، تتخذوا مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به ثانٍ ليأمركم بحذف حرف الجر.
الْمَلَائِكَةَ
مفعول به أول لتتخذوا.
وَالنَّبِيِّينَ
معطوف على الملائكة منصوب بالياء.
أَرْبَابًا
مفعول به ثانٍ لتتخذوا منصوب بالفتحة.
أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ
الهمزة للإنكار، يأمركم مضارع مرفوع والفاعل هو والكاف مفعول به، وبالكفر متعلقان بيأمركم، والجملة استئناف إنكاري.
بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ
بعد ظرف زمان متعلق بيأمركم، إذ ظرف لما مضى مضاف إليه، أنتم مبتدأ، مسلمون خبر مرفوع بالواو، والجملة في محل جر بالإضافة لإذ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتقاء برهاني حاسم يقطع دابر كل تأويل: بعد أن نفى أن يدعو النبي إلى عبادة نفسه في الآية السابقة ﴿كُونُوا عِبَادًا لِّي﴾، نفى هنا أن يدعو إلى عبادة غيره من أشرف المخلوقات ﴿الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ لبيان أن القضية ليست أنانية شخصية، بل هي قضية "مبدأ التوحيد الكلي"؛ فالعبادة حق حصري لله الخالق وحده، وكل ما سواه من ملائكة مقربين وأنبياء مرسلين هم عبيد مكرمون لا يستحقون ذرة من العبادة ولا يُتخذون أرباباً بحال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الغلو في الصالحين والأنبياء واتخاذهم وسائط وأرباباً:
دحض شبهة من يزعم أن تعظيم الأنبياء يبيح الاستغاثة بهم وسؤالهم من دون الله!
المحاكمة العقلية وتأصيل التوحيد السني:
١. سمى الله تعالى اتخاذ الملائكة والأنبياء أرباباً "كفراً" صريحاً: ﴿أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ﴾، فدل على أن صرف العبادة والرجاء والدعاء لغير الله -ولو كان لملك مقرب أو نبي مرسل- هو عين الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه ومحاربته.
٢. التعظيم الشرعي للأنبياء يكون بطاعتهم، وتصديق أخبارهم، واتباع سنتهم، ومحبتهم أكثر من النفس والولد، لا بعبادتهم وصرف حقوق الله إليهم (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية، دار العاصمة، ص١٥-٣٠؛ تطهير الاعتقاد للصنعاني، ص٤٥).