أجمع القراء العشرة على فتح ميم ﴿فَبِمَا﴾ وتنوين ﴿رَحْمَةٍ﴾ بالجر مجرورة بالباء، و(ما) صلة مؤكدة، وفتح لام ونون ﴿لِنتَ﴾ ماضياً من اللين مخففاً، وفتح ظاء ﴿فَظًّا﴾ منونة بالنصب خبراً لـ كنت، وكسر شين ﴿وَشَاوِرْهُمْ﴾ فعل أمر ساكن الراء، وإثبات الفاء في ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ واقعة في جواب إذا (التيسير، ص٩١؛ النشر، ج٢، ص٢٤٨).
أسباب النزول وسياق الأثر:
من أعظم آيات المنهج النبوي والتربية القيادية في القرآن الكريم؛ نزلت في أعقاب معركة أحد مباشرة، حين رجع الجيش المسلم مثخناً بالجراح، وكان مقتضى السياسة العسكرية الدنيوية محاسبة المخطئين، وتعنيف الرماة الذين خالفوا الأمر الصريح، وتأنيب من تسبب في الهزيمة وشج وجه النبي وقتل عمه حمزة وسبعين من خيرة أصحابه. فجاء الخطاب الرباني المعجز ليأمر النبي صلى الله عليه وسلم باللين التام والرحمة والعفو والاستغفار لهم، بل وإشراكهم في الشورى وتطييب خواطرهم المنكسرة!
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، رقم: ٤٨٣٨)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٣٨ ومسلم (كتاب التوبة) عن عائشة رضي الله عنها في وصف خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خلقه القرآن، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح".
وأخرج الحاكم في المستدرك (ج٢، ص٢٩٧)مصدر غير محدد٢/٢٩٧ وصححه ووافقه الذهبي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: "أبو بكر وعمر رضي الله عنهما". وأخرج الإمام أحمد في المسند (رقم: ١٥٥٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٥٨٠ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الفظ
الغليظ الجافي في قوله وفعله، السيئ الخلق المعاملة.
غليظ القلب
القاسي الفؤاد الذي لا يرق ولا يرحم، وضده اللين الرؤوف الرحيم.
لانفضوا من حولك
الانفضاض هو التفرق والتشتت والابتعاد؛ يقال: انفض القوم إذا تفرقوا وذهبوا عنه وتركوه وحيداً.
الشورى
استخراج الرأي الصائب بمراجعة أهل العقل والخبرة والاختصاص، ومفاعلة من الإشارة.
عزمت
العزم هو عقد القلب وإمضاء الإرادة الجازمة على تنفيذ الفعل بعد وضوح الرأي والشورى.
فتوكل على الله
تفويض الأمر والاعتماد القلبي التام على الله في تحصيل النتائج مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
الفاء استئنافية، الباء حرف جر، ما: صلة مزيدة لإفادة التوكيد والتعظيم، رحمة: اسم مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بـ (لنت)، من الله: جار ومجرور نعت لـ رحمة.
لِنتَ لَهُمْ
لنت: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل، لهم: متعلق بلنت.
وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لو شرطية امتناع لامتناع، كنت ناقص واسمه، فظاً خبر كان أول منصوب، غليظ القلب خبر ثانٍ وهو مضاف والقلب مضاف إليه.
لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
اللام واقعة في جواب لو، انفضوا ماض وفاعله، من حولك جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بانفضوا، والجملة جواب لو.
فَاعْفُ عَنْهُمْ
الفاء فصيحة، اعف فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، عنهم متعلق باعف.
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
أفعال أمر معطوفة، في الأمر متعلق بشاورهم.
فَإِذَا عَزَمْتَ
الفاء عاطفة، إذا ظرف شرطي، عزمت فعل الشرط ماض وفاعله.
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
الفاء رابطة للجواب، توكل أمر وفاعله مستتر، على الله متعلق بتوكل، والجملة جواب إذا.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
إن واسمها وجملة خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو دستور القيادة الإسلامية الراشدة؛ فبعد مصيبة أحد العظمى، لم يفتح القرآن باب المحاكمات العسكرية القاسية والانتقام النفسي، بل رسم للنبي صلى الله عليه وسلم منهجاً قيادياً خماسياً بديعاً لترميم الصف:
الأول: اللين والرحمة والرفق في التعامل مع الجند المهزومين الكسيرين.
الثاني: العفو الشخصي عن حقه صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من الجراح وشج الرأس.
الثالث: الاستغفار لهم وسؤال الله أن يمحو خطيئتهم في حقه تعالى.
الرابع: الشورى معهم في الشؤون العامة، لرد اعتبارهم ورفع معنوياتهم وإشعارهم بأنهم ما زالوا محل الثقة والمكانة، فلا يقصيهم خطأ وقع منهم.
الخامس: العزم والحزم والتوكل؛ فإذا استقرت الشورى على قرار نُفذ بقوة وعزم وتوكل على الله دون تردد ولا وجل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة الشورى مع وجود الوحي والنبوة:
قد يسأل سائل: ما فائدة أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالشورى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وهو مؤيد بالوحي المعصوم الذي يأتيه من السماء؟
والتحقيق الفقهي الأصولي: أن الشورى النبوية كانت في "أمور الحرب وتدبير المعاش ومصالح الدنيا التقديرية" مما لم ينزل فيه حكم شرعي قاطع؛ ولهذا شرعها الله لنبيه لغايات تربوية وتشريعية عليا:
ثانياً: استخراج الآراء العسكرية والميدانية والخطط المناسبة للظروف (كالرأي بالخروج أو البقاء، وحفر الخندق في الأحزاب).
ثالثاً: سن سنة الشورى وإلزام الأمة وقادتها بها من بعده؛ فإذا كان النبي المعصوم مأموراً بالشورى فكيف بحاكم أو قائد بعده لا يتنزل عليه وحي؟! (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٨٧٥؛ أحكام القرآن للجصاص، ج٢، ص٤٠؛ تفسير ابن كثير، ج٢، ص١٣٠).
زيادة (ما) المؤكدة في ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾: تفيد التعظيم الفائق؛ أي فبرحمة عظيمة باهرة من فيض رحمة الله أودعها في قلبك لنت لهم، ولولا تلك الرحمة الإلهية لضاق الصدر البشري بما جرى يوم أحد.
التدرج الرباني المعجز في التعامل مع المخطئ:
العفو (إسقاط المؤاخذة).
ثم الاستغفار (طلب كمال المغفرة الإلهية والستر له).
ثم الشورى (إشراكه في صناعة القرار وتكريمه).
التوازن الفريد بين الشورى والحزم: جمعت الآية بين أصلين عظيمين: (الشورى الجماعية) في مرحلة التداول، و(الحزم الفردي والتوكل) في مرحلة اتخاذ القرار والتنفيذ: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فلا مجال للتردد أو الميوعة بعد وضوح الرأي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اعتماد الرفق واللين والرحمة كأساس مطلق في الخطاب الدعوي والقيادي والتربوي والأسري؛ فالقسوة والفظاظة تنفر القلوب وتشتت الجمع وتخرب الصفوف.
إرساء مبدأ "الشورى الملزمة" في إدارة شؤون الأمة والمؤسسات، والحذر من الاستبداد بالرأي.
التوكل على الله بعد اتخاذ الأسباب؛ فالمؤمن يشاور ويعزم ويتوكل، ولا يركن إلى رأيه المجرد بل يعتمد على حول الله وقوته.