أجمع القراء العشرة على رفع ﴿مَثَلُ﴾ مبتدأ، وضم ياء وفاء ﴿يُنفِقُونَ﴾، وجر ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ بالكاف حرف جر والاسم المجرور متعلقين بالخبر، وتنوين ﴿صِرٌّ﴾ بالرفع مبتدأ مؤخراً أو فاعلاً، ونصب ﴿حَرْثَ﴾ مفعولاً به لأصابت، وجزم أو سكون هاء ﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾، وكسر نون ﴿وَلَٰكِنْ﴾ مخففة مهملة وبعدها جملة اسمية (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
ضرب الله هذا المثل البليغ لنفقات الكفار وأهل الكتاب التي يتظاهرون بها في وجوه البر والصلات والمفاخر والصدقات؛ لبيان أنها هباء محبط لا ثواب لها في الآخرة لعدم تأسيسها على الإيمان والتوحيد.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٦٨٥)مصدر غير محدد٥/٦٨٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: "هذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار؛ شبه نفقاتهم التي يرجون نفعها بزرع قوم ظالمين أصابته ريح باردة شديدة البرد فأهلكته حتى لم يبق منه شيء، كذلك يحبط الله أعمال الكفار في الآخرة فلا يجدون منها شيئاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المثل
الصفة والحال العجيبة الشأن.
ما ينفقون
الأموال التي يبذلونها في الدنيا في وجوه الخير والرياء أو في الصد عن سبيل الله.
ريح فيها صِرّ
الصِّر هو البرد الشديد القارس المحرق للنبات، وقيل هو الصوت الشديد والصيحة.
حرث قوم
الحرث هو الزرع والمزرعة المهيأة للنماء والحصاد.
ظلموا أنفسهم
بالمعاصي والكفر والشرك بالله.
فأهلكته
أبادته وأحرقته حتى صار هشيماً تذروه الرياح.
وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون
نفي للظلم الإلهي؛ فإحباط عملهم جاء بسبب كفرهم الذي أفسد الزرع وأحبط القبول.
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ
مثل مبتدأ مرفوع بالضمة وهو مضاف، ما مصدرية أو موصولة مضاف إليه، ينفقون مضارع مرفوع والواو فاعل.
فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
متعلقان بينفقون، الحياة بدل مجرور، الدنيا نعت مجرور بكسرة مقدرة.
كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ
الجار والمجرور خبر المبتدأ (مثل)، ريح مضاف إليه، فيها خبر مقدم، صر مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل جر نعت لريح.
أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ
أصابت ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر يعود على ريح، حرث مفعول به، قوم مضاف إليه، والجملة نعت ثانٍ لريح.
ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
فعل وفاعل ومفعول به نعت لقوم.
فَأَهْلَكَتْهُ
الفاء عاطفة تفيد التعقيب، أهلكت ماض والفاعل مستتر والهاء مفعول به يعود على الحرث.
استئناف تذييلي، ما نافية، ولكن مخففة مهملة، أنفسهم مفعول به مقدم ليظلمون، ويظلمون مضارع مرفوع والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تمثيل تصويري إعجازي لما قرره في الآية السابقة ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾: صور القرآن خيبة آمال الكفار يوم القيامة بأبشع صور الخيبة في عالم الزراعة؛ فالفلاح الذي كد وتعب وأنفق أمواله في زراعة حرثه، حتى إذا أينع الزرع واستشرف حصاده وأمله، هبت عليه فجأة في ليلة واحدة ريح صر جليدية فأحرقته وأبادته عن آخره؛ فتركته يقلب كفيه حسرة وندامة؛ فكذلك الكافر يظن أن نفقاته وتبرعاته ستنفعه عند الله، فإذا جاء يوم القيامة وجدها هباءً منثوراً لعدم إيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم والتوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا لا يثاب الكافر في الآخرة على أعماله الإنسانية وتبرعاته الخيرية؟:
المحاكمة العقلية والعدل الإلهي في معاملة الخلق:
١. شرط قبول العمل الأساسي هو "الإيمان والإخلاص لله وتصديق رسله"؛ فالعمل الصالح كالبناء الشاهق، والإيمان هو الأساس وقواعد الأسمنت، فإذا انعدم الأساس انهار البناء كله كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
٢. كرم الله وعدله مع الكافر: ثبت في صحيح مسلم (رقم: ٢٨٠٨)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٨ عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا (بالصحة والمال والولد والذكر الحسن)، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها"؛ فالكافر نال ثواب عمله كاملاً في الدنيا بحسب نيته وقصده، ولا حق له في دار الآخرة التي جحد بها وبخالقها (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٨، ص٢٥٥-٢٦٥؛ شفاء العليل لابن القيم، ص١٤٥).