أجمع القراء العشرة على فتح همزة وفاء ﴿أَفَمَنِ﴾ وكسر النون لالتقاء الساكنين، وكسر راء ﴿رِضْوَانَ﴾ عند الجمهور وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (شعبة) بضم الراء، وهما لغتان فصيحتان في مصدر الرضا كالعدوان والعِدوان، ومد همزة ﴿بَاءَ﴾ متصلاً، وضم هاء ﴿وَمَأْوَاهُ﴾، وقرأ الجميع بكسر ميم ﴿الْمَصِيرُ﴾ وإسكان الياء وترقيق الراء وقفاً (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٤٩)مصدر غير محدد٢/٢٤٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
موازنة ومحاكمة عقلية إيمانية بين صنفين من البشر تمايزا يوم أحد وفي كل ميدان: صنف انقاد لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واجتنب الغلول والخيانة وطلب ما عند الله، وصنف خالف أمر القيادة وتطلع إلى الغنائم أو نافق وغدر فرجع بغضب من الله.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٨٨٨)مصدر غير محدد٥/٨٨٨ عن السدي قال: "نزلت فيمن لم يغلّ من المؤمنين واتبع أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورضوان الله، ومن غلّ أو نافق وتولى فباء بسخط من الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
اتبع رضوان الله
طلب رضاه وعمل بما يحبه ويرضاه من الجهاد والأمانة والطاعة.
باء بسخط من الله
رجع وانقلب متحملاً لغضب الله وعقابه؛ مشتق من البواء وهو الرجوع بلزوم الشيء ومقاربته.
السخط
الغضب الشديد، وسخط الله: إرادة عقابه للعبد وإحلال بأسه به.
المصير
المرجع والمآل الذي ينتهي إليه الكائن.
أَفَمَنِ
الهمزة للاستفهام الإنكاري المتضمن نفي المساواة، الفاء عاطفة، من اسم موصول مبتدأ مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قرر في الآية السابقة تنزيه الأنبياء عن الغلول وحذر من الخيانة في الغنائم وبين مصير الغالّين يوم القيامة، ضرب هنا ميزان المعادلة الوجودية الكبرى: هل يستوي في عقل أو شرع من عاش حياته متبعاً لرضوان الله ساعياً في مرضاته كالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصادقين، ومن انقلب خائباً باء بغضب وسخط إلهي محقق ومأواه جهنم وبئس المصير؟! إن الجمع بينهما أو التسوية في الجزاء محال في حكمة أحكم الحاكمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة المساواة الأخلاقية والوجودية بين الصالح والطالح:
تدك هذه الآية الفلسفات العدمية والنسبية الأخلاقية التي تزعم أن مصير البشر واحد بعد الموت، أو أن الفضيلة والرذيلة اعتبارات بشرية اتفاقية لا يترتب عليها جزاء أخروي متباين! فالاستفهام الإنكاري ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ... كَمَن بَاءَ...﴾ برهان عقلي قطعي على استحالة التسوية بين الضدين؛ إذ التسوية بين المصلح والمفسد، وبين المخلص والخائن، قبيحة في بديهة العقول ومنافية لعدل الإله وكماله وحكمته (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٦٠؛ مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص١٦٨).