وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على جزم ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ بلا الناهية بحذف النون، وبناء ﴿تَفَرَّقُوا﴾ و﴿وَاخْتَلَفُوا﴾ على الضم في محل صلة، ورفع ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ بالضمة مبتدأ مؤخراً ونعتاً (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تحذير صارم للأمة المحمدية من السير في دروب أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين تفرقوا شيعاً وأحزاباً واختلفوا في أصول دينهم بعد أن نزلت عليهم التوراة والإنجيل وقامت عليهم الحجج القاطعة.
أخرج أبو داود (رقم: ٤٥٩٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٩٦ والترمذي وصححه (رقم: ٢٦٤٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٤٠ والإمام أحمد عن أبي هريرة ومعاوية رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة (وفي رواية: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تفرقوا واختلفوا
التفرق في الأبدان والقلوب والجماعات، والاختلاف في الآراء والعقائد والمناهج.
من بعد ما جاءهم البينات
الحجج القاطعة والنصوص الواضحة التي لا تدع مجالاً لشك ولا عذر لافتراق، فكان تفرقهم ناتجاً عن البغي والهوى لا عن خفاء الدليل.
عذاب عظيم
عذاب هائل مفزع في الآخرة لمن شق عصا الجماعة وأحدث البدع والفرقة في الأمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحذير بالمقابلة والنماذج التاريخية الفاشلة: بعد أن رسم للأمة طريق المجد بالاعتصام بحبل الله والأمر بالمعروف في الآيتين السابقتين، حذرها هنا من النموذج الساقط الذي هلك من قبلها؛ وهم أهل الكتاب؛ ليعلم المسلمون أن سنن الله في الأمم واحدة لا تحابي أحداً، وأن التفرق بعد وضوح البينات استجلاب صريح للعذاب العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسويغ التفرق العقدي والابتداع في الدين:
يحاول بعض أهل البدع تبرير انشقاقاتهم العقدية بدعوى الاجتهاد وتنوع الرؤى!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
فرق حاسم بين "الاختلاف الفقهي الفرعي المبني على أدلة معتبرة" وهو رحمة وسعة، وبين "التفرق والابتداع في أصول الاعتقاد ومفارقة جماعة المسلمين"؛ فالآية نصت صراحة على ذم التفرق الذي يقع بعد قيام البينات: ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ فمن فارق المحكمات الصريحة واتبع الأهواء فقد سلك سبيل الهالكين واستحق هذا الوعيد العظيم (الاعتصام للشاطبي، ج١، ص١٤٠-١٦٠؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٣، ص٣٤٥).