وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح همزة وميم ﴿آمَنَّا﴾، وضم همزة ﴿أُنزِلَ﴾ في الموضعين، وفتح لام وألف ﴿عَلَيْنَا﴾، وجر ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعها من الصرف للعلمية والعجمة، وجر ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ بالكسرة الظاهرة لأنه منصرف، وضم همزة وتاء ﴿أُوتِيَ﴾ مبنياً للمفعول.
ورفع ﴿وَالنَّبِيُّونَ﴾ بالواو لأنه جمع مذكر سالم معطوف على نائب الفاعل (موسى وعيسى)، ونصب ﴿أَحَدٍ﴾ بفتحة مقدرة أو جره بمن الزائدة، ورفع ﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبراً لنحن (التيسير للداني، ص٨٧)مصدر غير محدد٨٧.
أسباب النزول وسياق الأثر:
أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته بأن يعلنوا عقيدتهم الصافية الجامعة؛ وهي الإيمان بجميع ما أنزل الله على سائر الأنبياء والمرسلين، مباينةً لمسالك أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بدافع الهوى والعصبية.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، رقم: ٤٤٨٥)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٨٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم... الآية".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ما أنزل علينا
القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
الأسباط
جمع سِبْط، وهم قبائل بني إسرائيل الاثنتا عشرة المنحدرة من أولاد يعقوب، وكان فيهم أنبياء مبعوثون بالحق.
ما أوتي موسى وعيسى
التوراة والإنجيل والمعجزات والآيات الكبرى التي آتاهما الله إياها.
لا نفرق بين أحد منهم
لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بأنهم جميعاً رسل الله الصادقون المخلصون.
ونحن له مسلمون
منقادون خاضعون لله وحده بالتوحيد والإخلاص والبراءة من الشرك.
قُلْ
فعل أمر وفاعله أنت.
آمَنَّا بِاللَّهِ
فعل وفاعل، والجار والمجرور متعلقان بآمنا، والجملة مقول القول.
وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا
الواو عاطفة، ما موصولة معطوفة في محل جر، أنزل ماض مبني لما لم يسم فاعله ونائب الفاعل مستتر صلته، وعلينا متعلقان بأنزل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مقارنة نظمية جليلة بين هذه الآية وآية البقرة ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]:
في البقرة جاء الخطاب للأمة جمعاء بلفظ الجمع ﴿قُولُوا﴾، وجاء التعبير بـ ﴿إِلَيْنَا﴾ لأن الخطاب موجه إلى سائر المؤمنين الذين يأتيهم الوحي بواسطة الرسول منزلاً إليهم.
وهنا في آل عمران جاء الخطاب مفرداً للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ﴾، وجاء التعبير بـ ﴿عَلَيْنَا﴾ الدال على الاستعلاء والمباشرة؛ لأن النبي هو الذي ينزل الوحي عليه مباشرة من السماء، ويدخل أتباعه معه في هذا الشرف (معجم الفروق اللغوية للعسكري، ص١٨٠؛ درة التنزيل وغرة التأويل للإسكافي، دار الآفاق، ص١١٠).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة التفرقة بين الرسل وعنصرية الإيمان:
كيف يثبت القرآن عدالة الرسالات ونزاهة أهل الإيمان؟
المحاكمة العقلية وتأصيل وحدة النبوات:
١. الإيمان بكل الرسل أصل كلي قطعي في عقيدة الإسلام؛ فمن كفر بنبي واحد كعيسى أو موسى فقد كفر بجميع الأنبياء وبالمرسِل سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ... أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١].
٢. مسلك المسلمين هو المسلك العقلي المنصف الأوحد؛ إذ يحترمون موسى وعيسى ويبرئونهما مما ألصقه بهما المحرفون، بينما كفرت اليهود بعيسى ومحمد، وكفرت النصارى بمحمد؛ فظهر كمال اعتدال الأمة المسلمة وعصمتها من الهوى (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٧٠؛ منهاج السنة، ج١، ص٤٨٠).
التعبير بـ ﴿أُنزِلَ﴾ مع إبراهيم والآباء لأن كتبهم كانت صحفاً موحاة، والتعبير بـ ﴿أُوتِيَ﴾ مع موسى وعيسى لإشعاره بإيتاء الألواح والتوراة والإنجيل والمعجزات الحسية الخارقة.