أخرج ابن جرير الطبري في «جامع البيان» (6/273)جامع البيانالطبري٦/٢٧٣ وابن أبي حاتم (الرقم: 3004)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٠٤ عن قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله الذي شرعه لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به».
وجاء في «صحيح مسلم» كتاب الإيمان (الرقم: 153)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٣ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾: قرأ الجمهور بكسر همزة «إنّ» على الاستئناف تحقيقاً للشهادة السابقة: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ... إِنَّ الدِّينَ﴾، وقرأ الكسائي بفتح الهمزة: ﴿أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ بدلاً من «أنه لا إله إلا هو» أو بدلاً من «أنه قائم بالقسط»، فتكون الشهادة واقعة على التوحيد وعلى أن الدين هو الإسلام.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الدِّينَ: في لغة العرب يطلق على الطاعة، والانقياد، والجزاء، والحساب، والشريعة والملة؛ والدين عند الله هو ما دان العباد به لربهم وخضعوا لأمره.
الْإِسْلَامُ: الاستسلام والانقياد والخضوع لله بإفراده بالعبادة والبراءة من الشرك، وهو الدين العام لجميع الأنبياء من لدن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ثم صار علماً على الشريعة الخاتمة التي بعث بها خاتم الأنبياء.
بَغْيًا بَيْنَهُمْ: البغي هو مجاوزة الحد والظلم والحسد وطلب العلو بغير الحق؛ أي لم يكن اختلافهم لنقص في الأدلة أو غموض في الحق، بل كان حسداً ومنافسة على الرئاسات والمنافع الدنيوية بعد أن قامت عليهم الحجة بـ «العلم».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النتيجة الحتمية لشهادة الوحدانية:
لما شهد الله والملائكة وأولو العلم بأنه لا إله إلا هو في الآية السابقة (18)، عقّب مباشرة ببيان الدين المقبول المترتب على هذه الشهادة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾؛ لبيان أنه لا يقبل من أحد صرف العبادة لغيره، ولا التدين بغير الاستسلام له.
فضح علة انحراف أهل الكتاب:
كشف القرآن سر مروق اليهود والنصارى عن التوحيد؛ فبين أنهم لم يختلفوا عن جهل، بل بعد مجيء العلم وبينات النبوة، بدافع البغي والحسد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأهل الإيمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى تعدد الأديان وتساويها في القبول عند الله:
يروج بعض الفلاسفة المعاصرين لما يسمى «وحدة الأديان» أو التعددية الدينية، زاعمين أن كل الأديان مقبولة وموصلة للنجاة.
المحاكمة العقدية والقرآنية الصارمة: نصت الآية نصاً حاصراً قاطعاً لا يحتمل التأويل على أن الدين المقبول عند الله هو دين واحد فقط: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وتأكد ذلك بالآية (85) من نفس السورة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ فجميع الشرائع السابقة نسخت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نجاة لأحد بعد بعثته إلا باتباعه والانقياد لرسالته.
صيغة الحصر والتعريف بأل الجنسية في ﴿الدِّينَ﴾ و﴿الْإِسْلَامُ﴾:
تعريف الجزأين يفيد الحصر؛ أي ليس الدين الحق المعتبر عند الله إلا الإسلام، والظرف ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يقرر أن المعتبر هو ميزان الخالق لا أهواء البشر وتسمياتهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتزاز بنعمة الإسلام والفرقان:
يجب على المسلم أن يستشعر عظم النعمة التي خصه الله بها، وأن يدعو إليها العالمين ببصيرة، محذراً من داء «البغي» الذي أهلك الأمم السابقة حين استكبروا عن قبول الحق بعد أن عرفوه.