قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر ﴿تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ بضم التاء وفتح العين وتشديد اللام مكسورة من التعليم (علّم يعلّم). وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ بفتح التاء وسكون العين وتخفيف اللام مفتوحة من العِلم (عَلِمَ يَعْلَمُ)، وكلتا القراءتين تكملان المعنى؛ فالتعليم نشر للعلم، والتعلّم تحصيل له، والمؤمن جامع بين العلم والتعليم والدراسة (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٤٣)مصدر غير محدد٢/٢٤٣.
قرأ الجمهور ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ بفتح التاء وإسكان الدال وضم الراء مخففة من الثلاثي (دَرَسَ يَدْرُسُ).
أسباب النزول وسياق الأثر:
نفي إلهي قاطع لدعوى تأليه الأنبياء؛ بياناً لأن دعوة عيسى وعزير وسائر الأنبياء عليهم السلام مبرأة من الشرك ودعوة الناس إلى عبادة ذواتهم.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال أبو رافع القرظي (من أحبار اليهود) حين اجتمعت الأحبار مع نصارى نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريد يا محمد أن نعبدك ونتخذك رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من نصارى نجران يقال له الرئيس: أوَ ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نَعبد غير الله، أو نأمر بعبادة غير الله! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني! فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ...﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ما كان لبشر
نفي استحقاق وامتناع عقلي وشرعي؛ أي لا يصح ولا ينبغي ولا يتأتى لبشر شرفه الله بالنبوة أن يدعي الألوهية أو يدعو الناس لعبادة نفسه.
الحكم
الفهم الدقيق والفصل بين الحق والباطل، وحكمة النبوة والسياسة الشرعية.
ربانيين
جمع رباني، وهو العالم العابد الحليم المصلح الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، منسوب إلى "الرب" لشدة تمسكه بدين ربه وإخلاصه له، أو إلى "الرَّبّان" وهو مدبر السفينة وسائسها في بحر المتلاطمات.
بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون
الباء سببية؛ أي بسبب علمكم بالكتاب وتدريسكم إياه وتلاوته درساً بعد درس، فالعلم الصحيح يثمر العبودية الخالصة لله لا الشرك وتأليه المخلوقين.
مَا كَانَ لِبَشَرٍ
ما نافية، كان فعل ماض ناقص، لبشر جار ومجرور خبر كان مقدم.
أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ
أن مصدرية، يؤتيه مضارع منصوب والهاء مفعول به أول، والله فاعل، والكتاب مفعول به ثانٍ، والمصدر المؤول في محل رفع اسم كان مؤخر.
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ
معطوفان على الكتاب منصوبان.
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ
ثم حرف عطف وتراخٍ، يقولَ مضارع منصوب بالعطف على يؤتيه، والفاعل مستتر تقديره هو، وللناس متعلقان بيقول.
كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ
كونوا فعل أمر ناقص والواو اسمه، عباداً خبره، ولي متعلقان بعباداً، ومن دون الله نعت لعباداً، والجملة مقول القول.
وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
الواو عاطفة، لكن حرف استدراك، كونوا فعل أمر ناقص والواو اسمه، ربانيين خبره منصوب بالياء.
بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ
الباء سببية، ما مصدرية، كنتم كان واسمها، وجملة تعلمون الكتاب خبرها، والمصدر المؤول مجرور بالباء متعلق بربانيين.
وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ
معطوف على ما قبله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تناسب عقائدي كلي فائق الإحكام: بعد أن بين القرآن تحريفات الأحبار بالألسنة وافتراءاتهم في التوراة، جاءت هذه الآية لتنزّه مقام النبوة من أصله؛ فإذا كان أتباع عيسى قد زعموا أن عيسى أمرهم بعبادته، أو زعم اليهود في عزير كذلك، فإن الله يقرر هنا أصلاً عقلياً وتشريعياً ثابتاً: النبوة مناقضة للشرك بطبيعتها؛ فالنبي إنما شُرّف بالوحي ليدعو إلى التوحيد، فكيف يعقل أن يدعو إلى الكفر وعبادة نفسه بعد أن أتاه الله الكتاب والحكم والنبوة؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تأليه المسيح بدعوى أنه هو الذي أمر أتباعه بذلك:
يزعم اللاهوتيون أن المسيح طلب السجود والعبادة لنفسه وأعلن اتحاده بالآب!
المحاكمة العقلية وتفنيد الشبهة:
١. الاستحالة العقلية: الغاية من بعثة الرسل هي هداية الناس إلى إفراد الخالق بالعبادة، فلو دعا الرسول إلى عبادة ذاته لكان مناقضاً لغايته وساقطاً عن رتبة الصلاح، وحاشا لأنبياء الله المعصومين أن يقعوا في هذا التناقض الصارخ.
٢. لفظ ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ صيغة امتناع قطعي في لسان العرب؛ تدل على أن هذا الأمر غير متصور ولا ممكن الوقوع من أي نبي قط.
٣. حقيقة الربانية: أمر الأنبياء لأتباعهم محصور في قوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾؛ أي متعلقين بالرب وحده دون سواه؛ فمن دعا إلى عبادة نفسه فليس برباني بل هو طاغوت مفسد (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ج٣، ص٢٨٠؛ تفسير الرازي، ج٨، ص١١٥).
التعبير بـ ﴿لِبَشَرٍ﴾ في سياق النفي لتأكيد الجنس البشري للأنبياء؛ فالبشر مهما أوتي من شرف الوحي والكتاب يظل عبداً مخلوقاً مفتقراً لا شأن له في خصائص الربوبية.
النسبة البليغة في ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ المشتملة على الألف والنون الزائدتين للمبالغة في الانتساب للرب علماً وعملاً ودعوة وسلوكاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
وظيفة المربي والمعلم الرباني: التدرج في تربية النفوس، والربط الدائم بالله لا بالأشخاص ولا بالرموز.
اقتران العلم بالتدريس والمدارسة ﴿تُعَلِّمُونَ... تَدْرُسُونَ﴾؛ فبركة العلم في بثه ومذاكرته وتجديد العهد به.
الوجدان الإيماني:
التذلل لله وإسقاط كل مظاهر التقديس لغير الله؛ فالقلب الرباني يعمر بحب الله وحده ولا يشرك بربه أحداً.