قرأ حمزة ﴿لِمَا آتَيْتُكُم﴾ بكسر اللام (لِما) على أنها لام الجر دخلت على "ما" المصدرية أو الموصولة؛ أي: لأجل ما آتيتكم. وقرأ الباقون من العشرة ﴿لَمَا آتَيْتُكُم﴾ بفتح اللام (لَما) وهي لام الابتداء أو الموطئة للقسم دخلت على "ما" الشرطية أو الموصولة لتأكيد وجوب الإيمان والنصرة للرسول الخاتم (معاني القرآن للفراء، ج١، ص٢٢٠)مصدر غير محدد١/٢٢٠.
قرأ نافع وأبو جعفر وأهل المدينة ﴿آتَيْنَاكُم﴾ بالنون والألف على نون العظمة الإلهية، وقرأ الباقون ﴿آتَيْتُكُم﴾ بالتاء المضمومة للمتكلم وحده سبحانه.
قرأ قالون وأبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر بتسهيل همزة ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ مع الإدخال أو عدمه، وحققها الباقون على أصولهم (النشر لابن الجزري، ج١، ص٣٧٠)مصدر غير محدد١/٣٧٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
هذا هو "ميثاق النبيين التاريخي الكوني الأكبر"؛ وهو أعظم تكريم وتشريف لمنزلة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم في الملكوت الأعلى قبل بروزه إلى الأرض.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين، رقم: ٤٦٠١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٠١ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمر كل نبي أن يأخذ على أمته الميثاق: لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه".
وروى الإمام أحمد في المسند (رقم: ١٥١٥٦)مصدر غير محددحديث رقم ١٥١٥٦ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الميثاق
العهد المؤكد المغلظ باليمين والإشهاد والإلزام الصارم.
النبيين
جميع الأنبياء من لدن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام.
ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم
هو محمد صلى الله عليه وسلم، وجاء مصدقاً لأصول ما معهم من الكتب السماوية.
لتؤمنن به ولتنصرنه
جواب القسم الموطأ باللام؛ التزام قطعي جازم بالإيمان برسالته وبذل النصرة والتأييد له لو أدركوه.
إصري
الإصر في كلام العرب هو العهد الثقيل المؤكد الموثق بالشد والربط، وسُمي إصراً لثقله ولزوم الوفاء به.
فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين
إشهاد الله لملائكته وأنبيائه على هذا العهد، وإشهاده لذاته العلية تعظيماً لجلال الميثاق.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ
الواو استئنافية، إذ ظرف لما مضى متعلق باذكر محذوفاً، أخذ فعل ماض، الله فاعل، ميثاق مفعول به، النبيين مضاف إليه مجرور بالياء.
لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ
اللام موطئة للقسم (أو حرف جر على قراءة حمزة)، ما اسم شرط أو موصول، آتيتكم فعل وفاعل ومفعول به، ومن كتاب جار ومجرور حال، وحكمة معطوف عليه.
الفاء فصيحة، اشهدوا أمر وفاعله، وأنا مبتدأ، ومعكم ظرف حال، ومن الشاهدين جار ومجرور خبر، والجملة حالية أو معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج كوني مهيب لوحدة الرسالات ومرجعيتها الخاتمة: بعد أن حاكم القرآن أهل الكتاب وأبطل حججهم في إبراهيم وعيسى والتوراة، ارتقى السياق إلى الأفق الأعلى؛ ليكشف لهم أن إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس أمراً فرعياً أو اختيارياً، بل هو "بند ميثاقي أزلي" أُخذ على أنبيائهم أنفسهم (موسى وعيسى) وهم في الملأ الأعلى! فإذا كان الأنبياء الكبار أخذ عليهم العهد باتباع محمد ونصرته لو أدركوه، فكيف يتردد أتباعهم من اليهود والنصارى في اتباعه بعد قيام الحجة والبينات؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة شمول الميثاق وعلو رتبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على سائر المرسلين:
كيف يؤخذ الميثاق على جميع الأنبياء باتباع نبي يأتي بعدهم بقرون؟
المحاكمة العقلية والتحقيق العقدي:
١. هذا الميثاق يقرر الأصل الكلي في الشريعة: أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هي المهيمنة العامة والجامعة لكل ما تفرق في الشرائع، وأن شريعته ناسخة ومكملة لما قبلها.
٢. التزام الأنبياء بذلك هو التزام لأممهم وأتباعهم من بعدهم بطريق اللزوم والتضمين؛ فلما أقر موسى وعيسى بميثاق محمد لزم كل من يدعي التمسك بالتوراة والإنجيل أن ينقاد للنبي الخاتم فور مبعثه، فإن أبى فقد نقض ميثاق نبيه وخان عهد ربه (مدارج السالكين لابن القيم، ج٣، ص٢٥٠؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٨، ص٩-١٥).