وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر همزة ﴿إِنَّ﴾، وتسكين لام ﴿الْخَلْقِ﴾ وجر ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وكسر تاء ﴿لَآيَاتٍ﴾ اسم إن مؤخراً مجروراً بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم واللام لام الابتداء، وضم همزة ﴿لِّأُولِي﴾ وحذف الواو لفظاً، وكسر باء ﴿الْأَلْبَابِ﴾ جمع لُبّ (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٦؛ التيسير للداني، ص٩٣).
أسباب النزول وسياق الأثر:
مستهل أعظم المقاطع الإيمانية الكونية في القرآن الكريم؛ وهو المقطع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤه كل ليلة إذا استيقظ للتهجد وصلاة الليل، ويتأمل به في ملكوت السماوات والأرض.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: إن في خلق السماوات والأرض، رقم: ٤٥٦٩)مصدر غير محددحديث رقم ٤٥٦٩ ومسلم (كتاب صلاة المسافرين، رقم: ٧٦٣)مصدر غير محددحديث رقم ٧٦٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه بات عند ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وهي خالته... فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي...".
وأخرج ابن حبان في صحيحه (رقم: ٦٢٠)مصدر غير محددحديث رقم ٦٢٠ وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها، فقال عبيد بن عمير: حدثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم! فبكت وقالت: "قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة ذريني أتعبد لربي، فتطهر ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلّ حِجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلّ الأرض! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد نزلت عليّ الليلة آيات، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
خلق السماوات والأرض
إبداعهما وإيجادهما على غير مثال سابق، وإحكام نظامهما البديع.
أصحاب العقول الراجحة الصافية الزكية الخالصة من شوائب الهوى؛ مأخوذ من اللُّبّ وهو خالص الشيء وعصارة جوهره، كلبّ الجوز واللوز.
إِنَّ
حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
في خلق جار ومجرور في محل رفع خبر إن مقدم، السماوات مضاف إليه مجرور بالكسرة، والأرض معطوف عليه.
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ
معطوفان على خلق ومضافان.
لَآيَاتٍ
اللام هي المزحلقة، آيات اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
لِّأُولِي الْأَلْبَابِ
جار ومجرور نعت لـ (آيات)، أولي مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف، الألباب مضاف إليه مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعظم انتقال وتتويج لرحلة السورة الكريمة؛ فبعد أن جالت السورة في ميادين العقائد مع النصارى ومحاجة أهل الكتاب، وفي ميادين الصراع الحربي والسياسي والنفسي في بدر وأحد وحمراء الأسد، ارتقت في ختامها إلى "الأفق الكوني الأسمى": التفكر في خلق الأكوان لربط القلوب بمصدر الوجود وبارئ النسم، والتدليل على أن هذا الإله العظيم الذي أبدع السماوات والأرض هو المستحق للعبادة وحده، وأن سننه في الكون مطابقة لسننه في الوحي والتشريع والجهاد، فلا يدرك هذا التناسق المعجز إلا أصحاب العقول الكاملة ﴿لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
البرهان الكوني على وجود الخالق وتوحيده ونقض العبث والمصادفة:
تؤسس الآية للدليل العقلي الأكبر المسمى بـ "دليل الإحكام والعناية والغائية"؛ فنظام السماوات في علوها ومداراتها وحركاتها، ونظام الأرض في استقرارها وتنوع تضاريسها، والتعاقب الرياضي الصارم بين الليل والنهار دون خلل ولا تصادم منذ ملايين السنين، يستحيل عقلاً ورياضياً أن يصدر عن صدفة عمياء أو حركة عشوائية للذرات! فالعقل الصريح يحكم بأن هذا الإتقان المطلق شاهد حتمي على وجود صانع حكيم عليم خبير مريد واحد لا شريك له (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص١٥٢؛ درء تعارض العقل والنقل، ج١، ص٣٠٠).
التوكيد الرباعي: بحرف ﴿إِنَّ﴾، وتقديم الخبر ﴿فِي خَلْقِ﴾، واللام المزحلقة ﴿لَآيَاتٍ﴾، والتنكير الدال على التعظيم الباهر لـ (آيات)؛ لإثارة الدهشة واليقين في القلوب.
التعبير بـ (أولي الألباب): إشعار بأن الحواس المجردة يملكها كل حيوان، ولكن الانتفاع بالحواس بالنفوذ إلى حقيقة الصانع من خلال خلقه ميزة حصرية لأهل العقول الحقيقية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عبادة "التفكر في خلق الله"؛ وهي من أجلّ العبادات القلبية التي تحيي الإيمان وتزيل الصدأ عن القلوب.
سنية قراءة خواتيم آل عمران عند الاستيقاظ لصلاة الليل والتأمل في السماء والكون كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.