وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على رفع أو جر اسم الموصول ﴿الَّذِينَ﴾؛ إما بدلاً من المتقين أو نعتاً لهم، ونصب ﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾ و﴿وَالْعَافِينَ﴾ عطفاً على موضع الصلة أو على المدح بتقدير (أعني وأمدح)، والرفع قراءة في غير المتواتر (إعراب القرآن للنحاس، ج١، ص٣٨٢)مصدر غير محدد١/٣٨٢.
أسباب النزول وسياق الأثر:
بيان أوصاف أولئك المتقين الذين استحقوا الجنة العريضة، وتربية الصف المسلم بعد محنة أحد على التآلف والتسامح ومداواة ما حدث من غيظ أو تنازع بين الرماة والمقاتلين.
أخرج أحمد في المسند (رقم: ١٥٦١١)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٦١١ وأبو داود (رقم: ٤٧٧٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٧٧ والترمذي (رقم: ٢٠٢١)مصدر غير محددحديث رقم ٢٠٢١ وحسنه، عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور العين شاء".
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: والعافين عن الناس، رقم: ٤٦٤٢)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٤٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قصة عيينة بن حصن حين دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فغلظ عليه، فهمّ به عمر، فقال له الحر بن قيس: "يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
السراء والضراء
السراء هي الحالة التي تسر صاحبها من رخاء وغنى وصحة، والضراء هي الحالة التي تضره من شدة وفقر وبلاء ومرض.
الكاظمين الغيظ
الكظم في اللغة هو الشد على فم القربة الممتلئة لئلا يخرج ما فيها، وكظم الغيظ: تجرعه وحبسه في النفس وإمساكها عن إمضاء الغضب والانتقام مع القدرة عليه.
العافين عن الناس
العفو هو محو أثر الذنب وإسقاط العقوبة مع القدرة، والناس عام يشمل المسلم وغيره ممن يقع منه الأذى.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل جر نعت لـ (المتقين) في الآية السابقة، أو بدل منه.
يُنفِقُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
متعلقان بالفعل (ينفقون).
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
الواو عاطفة، الكاظمين: اسم فاعل معطوف على موضع الذين ينفقون منصوب أو مجرور بالياء، والغيظ: مفعول به لاسم الفاعل (الكاظمين).
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ
معطوف على الكاظمين، وعن الناس متعلقان بالعافين.
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
الواو استئنافية، الله: مبتدأ، وجملة يحب المحسنين خبره، والمحسنون هم المتصفون بهذه الكمالات.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن بين الجنة وأهلها، شرع في ذكر أخص خصال المتقين، ورتبها ترتيباً تصاعدياً بديعاً في مراتب الإحسان:
المرتبة الأولى: البذل والإنفاق في كل الأحوال (السراء والضراء)، وهو إحسان مالي متعدٍّ.
المرتبة الثانية: كظم الغيظ، وهو إمساك النفس وكبح جماحها عن الإيذاء عند فوران الغضب، وهو كف للشر.
المرتبة الثالثة: العفو عن الناس، وهو إسقاط المؤاخذة والمسامحة بالقلب، وهو أعلى من مجرد الكظم؛ لأن الكاظم قد يحبس غيظه ولا يعفو.
المرتبة الرابعة: الإحسان إليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، بمقابلة الإساءة بالإحسان، وهي ذروة مكارم الأخلاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة منافاة كظم الغيظ للطبيعة البشرية أو اعتباره مذلة:
يظن الجاهل بالحقائق أن العفو والصفح ذل وضعف وخور، فجاء النص القرآني ليقرر أن كظم الغيظ والعفو غاية القوة والشجاعة النفسية؛ لأن أشد الناس من غلب نفسه وهواه وشيطانه؛ كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (صحيح البخاري، رقم: ٦١١٤)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٦١١٤. فالقوة الحقيقية هي القوة الروحية التي تضبط الانفعال وتوجهه بالحكمة لا بالهوى (تفسير القرطبي، ج٤، ص٢٠٦)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٤/٢٠٦.