وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
قرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾ بكسر الحاء، وقرأ الباقون من العشرة ﴿حَجُّ الْبَيْتِ﴾ بفتح الحاء، وهما لغتان فصيحتان في مصدر حَجَّ يَحُجُّ حَجّاً وحِجّاً؛ والفتح لغة أهل نجد، والكسر لغة أهل الحجاز (الكشف لمكي، ج١، ص٣٥٥)مصدر غير محدد١/٣٥٥.
﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ بالرفع بدل من ﴿آيَاتٌ﴾ على أنه آية الآيات، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (منها مقام إبراهيم). وقرأ ابن عباس في الشواذ بالنصب (آياتٍ بيناتٍ مقامَ إبراهيم).
أسباب النزول وسياق الأثر:
هذه الآية هي "أم الآيات في فرضية الحج وركنيته الكبرى في الإسلام"؛ نزلت بفرض الحج وإلزام المستطيع به إجماعاً، وبتقرير الخصائص والأمان الاستثنائي للبلد الحرام.
أخرج أحمد في مسنده (رقم: ٢٤٤٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٤٥ ومسلم في صحيحه (كتاب الحج، رقم: ١٣٣٧)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٣٧ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم...".
وروى البخاري (رقم: ٤٣٧٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٣٧٦ ومسلم (رقم: ١٣٥٣)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٥٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شوكه، ولا يُنفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها...".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
آيات بينات
علامات ودلائل ومعجزات ظاهرة تدل على شرف البيت وعناية الله به وبإبراهيم.
مقام إبراهيم
الحجر الأثري الشريف الذي كان يقف عليه الخليل إبراهيم عليه السلام حين ارتفع بنيان الكعبة، فغاصت قدماه الشريفتان فيه وبقي أثرهما محفوراً فيه آية معجزة على مر القرون لم تمحه عوامل التعرية وتداول الأيدي.
ومن دخله كان آمناً
حكم تشريعي وقدري؛ بأن من لجأ إلى الحرم أمِن على دمه ونفسه وعرضه، وكان الحرم في الجاهلية آمناً تخطف الناس من حوله وأهله في أمان تام، ثم جاء الإسلام فأكد حرمته وصان دماء قاصديه.
ولله على الناس حج البيت
الحج في اللغة هو القصد المتكرر للشيء المعظم، وشرعاً قصد البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة في وقت مخصوص.
شرط وجوابه، الفاء رابطة، إن واسمها، غني خبرها، وعن العالمين جار ومجرور متعلقان بغني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج تشريعي فائق الإحكام: بعد أن بين أسبقية البيت الحرام وكونه مباركاً وهدى للعالمين، عدد هنا آياته ودلائله المشهودة (مقام إبراهيم، وأمن من دخله)، ثم رتب على هذا الشرف العظيم فريضة الحج الكبرى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾؛ ليكون قصده بالحج إعلاناً سنوياً للتوحيد، وتجديداً لعهد إبراهيم، وتجسيداً للأخوة الإيمانية الكونية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسمية تارك الحج "كافراً" في قوله "ومن كفر فإن الله غني عن العالمين":
هل يكفر تارك الحج بمجرد الترك مع إقراره بفرضيته؟
المحاكمة العقلية والفقهية عند أهل السنة والجماعة:
١. من ترك الحج جاحداً لفرضيته ومستنكراً لحكم الله فهو كافر خارج من الملة بإجماع الأمة؛ لأن فرضية الحج معلومة من الدين بالضرورة.
٢. أما من تركه مع القدرة والاستطاعة تسويفاً وكسلاً مع إيمانه بفرضيته، فهو فاسق مرتكب لكبيرة عظيمة، ويطلق عليه الكفر في الآية على وجه التغليظ والتشبيه بأهل الجحود، أو هو "كفر دون كفر" كقول ابن عباس رضي الله عنهما.
٣. تذييل الآية بـ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ينبه العقل إلى أن فرض الحج لم يكن لحاجة الخالق سبحانه إلى عباده وطوافهم، بل لحاجة العباد أنفسهم إلى التزكية ونيل المغفرة، فالمتخلف عن الحج هو الخاسر المحروم والله غني عنه وعن العالمين (المغني لابن قدامة، دار إحياء التراث، ج٣، ص١٠٥-١١٠؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٢٦، ص١٠-٢٠).
التعبير بصيغة الإلزام الصارمة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾؛ حيث قدم حق الله تعالى ورتب الوجوب بحرف الاستعلاء (على) لإفادة الفرضية القطعية التي لا تسقط إلا بالعجز.
إفراد ﴿مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ بالذكر بعد الجمع ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ لبيان أنه تاج تلك الآيات وعنوان شرفها التاريخي الأبرز.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
وجوب المبادرة إلى أداء فريضة الحج متى تحققت الاستطاعة، وعدم التسويف مع القدرة.
حرمة دماء وأموال الوافدين إلى بيت الله وتوفير الأمان التام لضيوف الرحمن.
الوجدان الإيماني:
خشوع النفس أمام مقام إبراهيم واستحضار تضحيات الخليل وإسماعيل في رفع البيت وإعلان الأذان بالحج، وتلبية نداء التوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".