أجمع القراء العشرة على كسر همزة ونون مشددة ﴿إِنَّنَا﴾ أو تخفيفها في غير المتواتر، وتنوين ﴿مُنَادِيًا﴾ بالنصب مفعولاً به، ومد همزة ﴿آمِنُوا﴾، وتسكين راء ﴿فَاغْفِرْ﴾، وتشديد فاء ﴿وَكَفِّرْ﴾، وكسر فاء ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ مبنياً على حذف حرف العلة للدعاء، وكسر باء وراء ﴿الْأَبْرَارِ﴾ جمع بَرّ أو بارّ (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٦)مصدر غير محدد٢/٢٥٦.
أسباب النزول وسياق الأثر:
توسل إيماني رباني بديع؛ يتوسل فيه أولو الألباب إلى الله تعالى بأعظم وسيلة: وهي استجابتهم الفورية لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وسرعة إيمانهم دون تردد، سائلين ركائز الفلاح الثلاث: المغفرة، وتكفير السيئات، وحسن الخاتمة مع الأبرار.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص١٠١٢)مصدر غير محدد٥/١٠١٢ وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وابن عباس وقتادة قالوا: "المنادي هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ نادى الناس إلى الإيمان بالله وتوحيده، وقيل: هو القرآن الكريم ينادي بآياته ومواعظه، وكلاهما حق وصدق".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
منادياً
هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو القرآن الكريم؛ والتنكير للتعظيم والتفخيم.
ينادي للإيمان
يدعو إليه ويرغب فيه بأبلغ نداء وأوضح حجة.
كفّر عنا سيئاتنا
التكفير هو الستر والمحو والإزالة التامة لأثر الذنب؛ مأخوذ من الكَفْر وهو التغطية والستر.
الأبرار
جمع بَرّ أو بارّ؛ وهم الصادقون المطيعون لله المتوسعون في الإحسان وفعل الخيرات.
رَّبَّنَا
منادى مضاف.
إِنَّنَا سَمِعْنَا
إن واسمها، سمعنا ماض وفاعله خبرها.
مُنَادِيًا
مفعول به لسمعنا منصوب بالفتحة.
يُنَادِي لِلْإِيمَانِ
مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر، للإيمان متعلق بينادي واللام للتعليل أو بمعنى إلى، والجملة في محل نصب نعت لـ (منادياً).
أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
أن مفسرة (أو مصدرية)، آمنوا أمر وفاعله، بربكم متعلق بآمنوا.
فَآمَنَّا
الفاء عاطفة تفيد السرعة والتعقيب، آمنا ماض وفاعله.
رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
ربنا منادى مكرر، الفاء فصيحة رابطة للتوسل، اغفر فعل دعاء، لنا متعلق به، ذنوبنا مفعول به منصوب.
وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
معطوف عليه.
وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ
معطوف عليه، نا مفعول به، مع ظرف متعلق بتوفنا، الأبرار مضاف إليه مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة الأدب القرآني في التوسل المشروع؛ فقد قدموا بين يدي دعائهم التوسل بعملهم الصالح الأعظم وهو (سرعة الإيمان والاستجابة للمنادي صلى الله عليه وسلم)، ثم رتبوا مطالبهم ترتيباً ارتقائياً بديعاً:
الأول: غفران الذنوب (كبائر المعاصي بسترها وعدم المؤاخذة بها).
إذا أُفردت المغفرة شملت كل ذنب، وإذا أُفرد التكفير شمل كل سيئة.
أما إذا اجتمعا في سياق واحد كما في هذه الآية، فـ "الذنوب" تراد بها الكبائر ويطلب لها "الغفران" وهو الستر والوقاية من عذابها، و"السيئات" تراد بها الصغائر ويطلب لها "التكفير" وهو الحط والمحو بالأعمال الصالحة: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١١، ص٦٨٥؛ الكشاف، ج١، ص٤٥٠).