أجمع القراء العشرة على فتح تاء ﴿تَهِنُوا﴾ وكسر الهاء وجزم الفعل بحذف النون للنهي، وقرأ الجمهور بفتح همزة ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾ وسكون العين وفتح اللام والواو ساكنة بعدها نون مفتوحة جمع أعلى، وكسر همزة ﴿إِن كُنتُم﴾ شرطية (المحرر الوجيز لابن عطية، ج١، ص٥١٣)مصدر غير محدد١/٥١٣.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نزلت هذه الآية الكريمة تسليةً للمسلمين وتثبيتاً لعزائمهم بعد ما أصابهم يوم أحد من القتل والجراح وانقلاب المعركة، حين تسور المشركون الجبل وأشرف خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل بخيل قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
أخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري (ج٥، ص٧٩١)مصدر غير محدد٥/٧٩١ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصابهم يوم أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، اللهم لا قوة لنا إلا بك... فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فثاب المسلمون وهزموا المشركين من موضعهم ذلك".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
لا تهنوا
الوهن هو الضعف والعجز والفتور في العزيمة والبدن، مشتق من وهن يهن وهناً، والنهي يقتضي طلب ترك الضعف والجبن.
ولا تحزنوا
الحزن هو غم القلب وألمه على ما فات، وضده الفرح والسرور.
الأعلون
جمع الأعلى، وهو صيغة تفضيل من العلو، والمراد العلو بالقهر والغلبة والعزة والحجة والمنزلة عند الله تعالى.
وَلَا
الواو استئنافية أو عاطفة، لا: ناهية جازمة.
تَهِنُوا
فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
وَلَا تَحْزَنُوا
معطوف على (لا تهنوا) مجزوم مثله.
وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ
الواو حالية، أنتم: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، الأعلون: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة، وهي تعليل للنهي عن الوهن والحزن.
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
إن حرف شرط جازم، كنتم: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمه، مؤمنين: خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: إن كنتم مؤمنين حقاً فلا تهنوا ولا تحزنوا، أو فأنتم الأعلون.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أعظم بلسم نفسي وروحي لمعالجة الهزيمة العسكرية في التاريخ؛ فالقرآن لا يترك المسلمين نهباً لمرارة الإخفاق أو الإحباط النفسي، بل ينتشلهم فوراً من حمأة الشعور بالصغار إلى قمة الاستعلاء الإيماني؛ فنهاهم عن الوهن والضعف في المستقبل، ونهاهم عن الحزن والندم على ما مضى، وبشرهم بأنهم الأعلون شأناً وعاقبة، ليعيد إليهم التوازن النفسي والعسكري واليقين بالنصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة التناقض بين الهزيمة الميدانية وقوله ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾:
زعم بعض المنافقين والمبطلين: كيف يقول لهم القرآن: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ وقد انكسروا في أحد وقُتل منهم سبعون؟
ورد أهل التحقيق: أن العلو في الآية محقق من وجوه عقلية وشرعية قطعية:
أولاً: العلو بالحجة والبرهان والدين والمنهج؛ فدينهم أعلى، وربهم أعلى، وشهدائهم في الجنة، وقتلى المشركين في النار.
ثانياً: العلو بالعاقبة والنتيجة النهائية؛ فإن الحرب سجال، والعاقبة للمتقين، ولم يستقر للمشركين نصر ولم يفتحوا المدينة ولم يقضوا على الإسلام.
ثالثاً: أن علوهم مشروط بكمال الإيمان ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾؛ فلما أخل الرماة بمقتضى الإيمان وطاعة الرسول وقعت بهم الهزيمة، فالعلو دائر مع الإيمان وجوداً وعدماً (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٢٨، ص٤٤٠؛ زاد المعاد لابن القيم، ج٣، ص٢١٩).
الجمع بين النهيين: النهي عن الوهن (الضعف العملي المستقبلي)، والنهي عن الحزن (الغم النفسي على الماضي)؛ لأن الوهن يفسد العمل القادم، والحزن يهد القوى الحاضرة ويقعد عن استدراك ما فات.
الجملة الاسمية الحالية: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ تفيد الثبوت والرسوخ التام لهذه الصفة، وأن الاستعلاء بالإيمان شيمة لا تفارق المؤمن ولو كان جريحاً أو مغلوباً في معركة عارضة.
مفهوم الشرط في قوله ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: استنهاض للهمم واستثارة لحمية الإيمان في قلوبهم؛ كأن يقول القائد لجنوده: إن كنتم شجعاناً فلا تفروا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس عقيدة "الاستعلاء الإيماني" في نفوس الأمة؛ فالمسلم لا ينكسر ولا يشعر بالدونية أمام قوى الطغيان المادية الكافرة مهما امتلكت من السلاح والعتاد.
تحريم الاستسلام لليأس وجلد الذات بعد الأزمات والنكبات، وتوجيه الطاقة النفسية نحو إعادة البناء والنهوض.