أخرج ابن جرير الطبري (6/215)مصدر غير محدد٦/٢١٥ وابن أبي حاتم (الرقم: 2959)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٥٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في الآية قالوا: «نزلت في مشركي قريش وأهل الكتاب الذين اغتروا بأموالهم وكثرة أولادهم وقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين، فأعلمهم الله أن ذلك لن يدفع عنهم من عذاب الله مثقال ذرة».
وجاء في «صحيح البخاري» (الرقم: 6538)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٦٥٣٨ ومسلم (الرقم: 2805)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٠٥ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ!».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾: قرأ القراء العشرة بفتح الواو: ﴿وَقُودُ﴾ وهو الحطب والشيء الذي توقد به النار، وقرأ الحسن البصري وعاصم الجحدري بضم الواو: ﴿وُقُودُ﴾ مصدراً بمعنى توقد النار والتهابها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لَنْ تُغْنِيَ: الإغناء هو الكفاية ودفع الحاجة والمكروه، و«لن» لتأكيد النفي ونفي التأبيد في الآخرة؛ أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم عذاب الله ولا تخفف عنهم منه شيئاً.
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا: «مِنَ» بدلية أو ابتدائية؛ أي بدلاً من رحمة الله وعذابه، أو شيئاً من عذاب الله، و«شيئاً» مفعول مطلق أو مفعول به منصوب نكرة في سياق النفي تفيد العموم المحيط؛ أي لا تدفع عنهم أدنى دفع ولا أقل نفع.
وَقُودُ النَّارِ: الوقود (بالفتح) ما تشعل به النار وتستعر كالحطب، شبه الكفار بالحطب لسرعة اشتعال النار فيهم واستمرار عذابهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مناسبة الآية لما قبلها:
لما ذكر في الآية السابقة يوم الجمع والقيامة: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، بيّن هنا مآل الذين كفروا في ذلك اليوم؛ لئلا يغتروا بما أوتوا في الدنيا من وفرة الأموال والذراري والعصبيات، فإنها تتلاشى في عرصات القيامة وتصير أجسادهم وقوداً للنار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفاخر بالثروات والأولاد:
يظن العقل الجاهلي والرأسمالي أن كثرة الأموال والأولاد دليل على الرضا والكرامة في الدنيا والآخرة.
الحجة العقلية والقرآنية: الأموال والأولاد وسائل عارضة للابتلاء في الدنيا، والمال لا يفتدي صاحبه من عدل الله وقضائه؛ فلو أن للذين كفروا ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم.
تصوير بياني رهيب للحقارة والإهانة؛ فالكافر الذي كان يستعلي في الدنيا بجاهه وثروته، ينقلب في الآخرة إلى مادة وقودية تشتعل بها جهنم مع الحجارة، فما أشد الخسران!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم الانخداع بالقوى المادية للأعداء:
يمنح هذا التقرير الرباني قلوب المؤمنين عزة واستعلاءً إيمانياً؛ فلا يرهبهم تضخم الترسانات العسكرية والمالية لأعداء الملة؛ فكلها أسلحة فانية وأجساد صائرة إلى النار إن ماتت على الكفر.