أخرج ابن أبي حاتم في «تفسيره» (الرقم: 3068)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٦٨ وابن جرير في «جامع البيان» (6/326)جامع البيانالطبري٦/٣٢٦ عن الحسن البصري وابن جريج قالا: «زعم قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله، فقالوا: يا محمد، إنا نحب ربنا حباً شديداً! فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية محنة واختباراً لصدقهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فجعل اتباع محمد صلى الله عليه وسلم علماً لمحبة الله، وبطلت كل دعوى لا تصدقها السنة».
وجاء في «صحيح البخاري» (الرقم: 16)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١٦ ومسلم (الرقم: 43)مصدر غير محددحديث رقم ٤٣ من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قوله تعالى: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: جزم «يحببكم» جواباً للأمر «فاتبعوني»، وفك الإدغام واجب في لغة الحجاز لكون الباء الثانية ساكنة جزماً: ﴿يُحْبِبْكُمُ﴾.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تُحِبُّونَ اللَّهَ: المحبة ميل القلب التام وإيثار مراد المحبوب على مراد النفس، ومحبة العبد لله طاعته، والتزام أمره، والرغبة في لقائه وتعظيمه.
فَاتَّبِعُونِي: الاتباع هو اقتفاء الأثر والائتمام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله، وأفعاله، وعقائده، وأخلاقه، وعباداته، وترك ما نهى عنه.
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ: محبة الله لعبده رضاه عنه، وإكرامه، وإفاضة رحمته وتوفيقه عليه، ورفع درجاته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الميزان الحاسم لكل الدعاوى الدينية والروحية:
بعد أن حاج أهل الكتاب وبيّن مزاعمهم في محبة الله (كما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه)، وضع القرآن هذا القانون الدستوري القاطع لتمييز الصادق من الدعي:
الدعوى: محبة الله.
البرهان والشرط اللازم: اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الثمرة الجزائية العظمى: نيل محبة الله ومغفرة الذنوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاكتفاء بالروحانيات والمحبة الباطنة دون الالتزام بالسنة:
يزعم بعض غلاة المتصوفة والزنادقة قديماً وحديثاً أن من وصل إلى محبة الله سقطت عنه التكاليف الشرعية، أو أنه يكفيه محبة الله القلبية دون تقيد بالسنة النبوية.
المحاكمة العقدية والشرعية القاطعة: ردت الآية هذا الزعم الباطل بصريح العبارة؛ فجعلت «الاتباع العملي لمحمد صلى الله عليه وسلم» هو الشرط الوحيد لصحة المحبة ونيل رضا الله؛ فكل دعوى للمحبة لا تقترن باتباع سنته هي دعوى كاذبة فاسدة مردودة، كما قال الفضيل بن عياض: «ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب! وكيف يحبك الله وأنت تخالف حبيبه ورسوله؟!».
قال العلماء: نقلهم القرآن من مقام متواضع وهو محبتهم الناقصة لله، إلى المقام الأعلى والأسمى وهو فوزهم بـ «محبة الله لهم»؛ فمحبة الله للعبد هي غاية الغايات ومطمح الصديقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إحياء السنة دليلاً على صدق المحبة:
المحب الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولربه يظهر أثر ذلك في هندامه، وسمته، وصلاته، ومعاملاته، وحرصه على إحياء السنن المهجورة، والذب عن الشريعة.