وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر طاء ﴿وَأَطِيعُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، ونصب ﴿اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وضم تاء وفتح حاء ﴿تُرْحَمُونَ﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل (التيسير للداني، ص٩٠)مصدر غير محدد٩٠.
أسباب النزول وسياق الأثر:
أمر كلي جامع يربط استنزال الرحمة والنصر والنجاة بطاعة الله ورسوله، وهو صلب الدرس المستفاد من نكسة أحد؛ حيث وقعت الهزيمة بسبب مخالفة طائفة من الجيش لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك جبل الرماة.
قال قتادة والحسن: "﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فيما أمرتم به ونهيتم عنه، ولا تعصوا رسول الله كما وقع يوم أحد، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ برحمة الله التي تشملكم بالنصر في الدنيا والمغفرة والجنة في الآخرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أطيعوا الله والرسول
الطاعة هي الانقياد التام والامتثال المطلق للأوامر واجتناب النواهي في المنشط والمكره، وقرن طاعة الرسول بطاعة الله لتقرير أن طاعة الرسول هي عين طاعة الله.
لعلكم ترحمون
الرحمة هي غاية الإحسان؛ وتشمل اللطف بالنصر والتمكين في الدنيا، والستر والمغفرة والنجاة من النار ودخول الجنة في الآخرة.
وَأَطِيعُوا
الواو عاطفة، أطيعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
اللَّهَ وَالرَّسُولَ
الله لفظ الجلالة مفعول به منصوب، الرسول معطوف عليه منصوب بالفتحة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسم وتشخيص لعلة الهزيمة وباب النجاة: بعد أن حذرهم من الربا ومن النار في الآيتين السابقتين، وضع هنا "مفتاح الباب المغلق"؛ وهو طاعة الله والرسول؛ ليعلم الرماة والمجاهدون والمسلمون في كل عصر أن مأساة أحد وجراحاتها لم تكن لخلل في شجاعتهم ولا لنقص في خطة نبيهم، بل وقعت بسبب لحظة عصيان واحدة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان العلاج الناجع هو إعلان الطاعة المطلقة لله ورسوله لضمان تدفق رحمات الله ونصره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة حجية السنة واستقلال طاعة الرسول:
يزعم القرآنيون والمشككون في السنة أن الطاعة محصورة في نص القرآن فقط!
المحاكمة العقلية وتأصيل حجية السنة النبوية:
عطف الرسول بالاسم الظاهر المعرف بالألف واللام: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يفيد استقلال طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه من سنته وأحكامه؛ فالرسول يحل ويحرم ويأمر وينهى بوحي الله، والرد إليه في حياته بشخصه وبعد مماته بسنته فرض قطعي لا يكتمل إيمان بدونه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (إعلام الموقعين لابن القيم، ج١، ص٥٥؛ الشاطبي في الموافقات، ج٤، ص١٠-٢٥).