نزلت حين صرخ الشيطان يوم أحد لما رُمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة وشُج وجهه الشريف وكُسرت رباعيته وسقط في الحفرة: "ألا إن محمداً قد قُتل!"، ففتّ ذلك في عضد كثير من المسلمين، وقال بعضهم: لو كان نبياً ما قُتل! وقال آخرون: نرجع إلى قومنا فيؤمنونا، وقال بعض المنافقين: نرجع إلى دين آبائنا، بينما قال ثابت بن الدحداح وأنس بن النضر رضي الله عنهما: "يا معشر المسلمين! إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد حي لا يموت، قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى تلقوا الله شهداء"، فأنزل الله هذه الآية تثبيتاً لعقيدة التوحيد وفصلها عن الأشخاص الفانية (جامع البيان للطبري، ج٥، ص٨١٥؛ سيرة ابن هشام، ج٢، ص٨٥).
الموقف الصديقي الأكبر: استشهد أبو بكر الصديق رضي الله عنه بهذه الآية العظيمة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حين اضطرب الصحابة وقال عمر: والله ما مات رسول الله! فصعد أبو بكر المنبر وخطب خطبته الشهيرة: "ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ...﴾، قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما تسمع بشراً إلا يتلوها" (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: ١٢٤١، وكتاب المغازي، رقم: ٤٤٥٤).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الحصر
النفي بـ (ما) والاستثناء بـ (إلا) يفيد قصر محمد صلى الله عليه وسلم على صفة الرسالة والتبليغ، وأنه بشر يعتريه ما يعتري الرسل من الموت والقتل، وليس إلهاً مخلداً.
انقلبتم على أعقابكم
الانقلاب على العقب تمثيل للردة عن الدين والرجوع إلى الكفر بعد الإيمان؛ مأخوذ من مشي القهقرى؛ لأن الراجع إلى وراء ينقلب على عقبيه.
الشاكرين
الشاكر لله هنا هو الثابت على دينه وعقيدته، المعترف بنعمة الإسلام، المجاهد في سبيله سواء حيي الرسول أو مات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني هو ذروة التأسيس العقدي لفصل الإيمان بالله تعالى عن الارتباط بالأشخاص؛ فبعد أن ألمت بالمسلمين رجفة الهزيمة وظنوا مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، حسم القرآن القضية ح حسماً أبدياً: الإسلام دين الله المحفوظ ورسالته الخالدة، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول مبلغ يلحق بإخوانه من الرسل، فالمطلوب عبادة الرب الحي الذي لا يموت، والتمسك بالمنهج، لا الانقلاب على الأعقاب عند غياب القائد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة توهم القداسة الذاتية أو التأليه للنبي صلى الله عليه وسلم:
تصد هذه الآية بحزم صريح كل نزوع غلو بشري قد يتسرب إلى عقول الأتباع؛ فتؤكد بشرية النبي صلى الله عليه وسلم وعبوديته لله وخضوعه للنواميس الكونية من المرض والقتل والموت، رداً على كل شبهة نصرانية ادعت ألوهية المسيح لكونه رسولاً معجزاً. فالنبوة منصب تبليغ واصطفاء لا تجعل صاحبها شريكاً في الربوبية (مفاتيح الغيب للرازي، ج٩، ص٢٤؛ زاد المسير، ج١، ص٣٣٣).