أجمع القراء العشرة على فتح تاء ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ على الخطاب، وضم تاء ﴿تُتْلَىٰ﴾ مبنياً للمجهول، ورفع ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾ نائباً للفاعل، وكسر هاء ﴿رَسُولُهُ﴾، وجزم ميم ﴿يَعْتَصِم﴾ بالسكون وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين، وضم هاء ﴿هُدِيَ﴾ مبنياً للمجهول مبنياً على الفتح (التيسير للداني، ص٨٨)مصدر غير محدد٨٨.
أسباب النزول وسياق الأثر:
استنكار عظيم وتعجيب بالغ من إمكانية وقوع الكفر والردة في أمة ينبض بين أظهرها القرآن حياً، ويمشي بين صفوفها رسول الله صلى الله عليه وسلم نبياً وهادياً ومرشداً.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٦٢٠)مصدر غير محدد٥/٦٢٠ عن قتادة قال: "هذان علمان بيّنان: كتاب الله ورسوله؛ فأما نبي الله صلى الله عليه وسلم فمضى وترك سنته، وأما كتاب الله فأبقاه بين أظهركم عصمة وهدى ورحمة لمن اتبع حبل الله".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
كيف تكفرون
استفهام إنكاري وتعجيبي؛ أي كيف يتأتى منكم الكفر وتتطرق إليكم الردة وموجبات الإيمان وأسبابه قائمة تملأ أرجاء حياتكم؟!
وأنتم تتلى عليكم آيات الله
القرآن العظيم ينزل غضاً طرياً ببيان الأحكام وكشف الدسائس وتثبيت القلوب.
وفيكم رسوله
النبي المصطفى بشخصه الشريف وسنته وأخلاقه وعصمته يدعوكم ويثبتكم.
ومن يعتصم بالله
الاعتصام هو التمسك الشديد بالشيء المانع من السقوط والهلاك، مأخوذ من "العِصام" وهو الحبل والرباط الوثيق، والاعتصام بالله هو التوكل عليه وتفويض الأمر إليه والتمسك بكتابه وسنة رسوله.
فقد هدي إلى صراط مستقيم
تحقيق وتوكيد بالهداية القويمة الثابتة الموصلة إلى جنات النعيم.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ
الواو استئنافية تعجيبية، كيف اسم استفهام مبني في محل نصب حال، تكفرون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ
الواو حالية، أنتم مبتدأ، تتلى مضارع مبني للمجهول، عليكم متعلقان بتتلى، آيات نائب فاعل مرفوع، والله مضاف إليه، والجملة خبر أنتم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
وَفِيكُمْ رَسُولُهُ
الواو عاطفة، فيكم خبر مقدم، رسوله مبتدأ مؤخر، والهاء مضاف إليه، والجملة حال ثانية مؤكدة للمنع من الكفر.
وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ
الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، يعتصم فعل الشرط مجزوم، والفاعل مستتر، وبالله متعلقان بيعتصم.
فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق، هدي ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل مستتر، إلى صراط متعلقان بهدي، مستقيم نعت مجرور، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وخبر من جملتا الشرط والجواب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج وقائي ومنهجي منقطع النظير: بعد أن حذرهم في الآية السابقة من طاعة أهل الكتاب ﴿يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، بيّن هنا استحالة الوقوع في هذا الفخ ما دامت الأمة مستمسكة بحصنيها الحصينين: "القرآن الحي" و"الرسول وسنته"، ثم ختم بالقاعدة الكلية الخالدة: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾؛ ليفتح باب النجاة والعصمة لكل من أراد الثبات في زمن الفتن والمغريات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يكون فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى؟:
المحاكمة العقلية والتأصيل السني النير:
١. رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في الصحابة بشخصه وسنته، وهو في سائر أجيال الأمة إلى قيام الساعة بسنته المطهرة الصحيحة وسيرته العاطرة وشريعته المحفوظة، فسنته حية بين أظهرنا كأنه حاضر يرشدنا ويوجهنا.
٢. ترك النبي صلى الله عليه وسلم في الأمة أمرين معصومين لا يضل من تمسك بهما: "كتاب الله وسنتي"، فما دامت الأمة معتصمة بالقرآن والسنة المطهرة فهي محفوظة من الردة والضلال الحاسم.
٣. الاعتصام بالله يشمل التوكل عليه واللجوء إليه بصدق والعمل بوحيه، ومن توكل على الله كفاه وهداه إلى الصراط المستقيم (شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، ج١، ص٧٥؛ مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج١٩، ص١٦٠-١٧٥).
الاستفهام التعجيبي ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ لتصوير الكفر كأمر مستحيل عقلاً ووجداناً في ظل وجود النورين العظيمين (القرآن والرسول).
الاستعارة التمثيلية البديعة في ﴿يَعْتَصِم بِاللَّهِ﴾؛ حيث شبه اللجوء إلى الله والانقياد لشرعه بحبل وثيق يتشبث به الغريق فينقذه من أمواج الفتن المتلاطمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
مركزية الوحيين (الكتاب والسنة) في حياة الأمة المسلمة وعصمتها من التفرق والضياع.
إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونشرها في المجتمع لتظل حية فاعلة توجه السلوك وتضبط المواقف.
الوجدان الإيماني:
طمأنينة القلب بالله والتوكل عليه؛ فالمعتصم بالله محفوظ بحفظ القوي العزيز، هادٍ إلى مراقي الفلاح والصراط المستقيم.