وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على كسر لام الجلالة في ﴿وَلِلَّهِ﴾ خبراً مقدماً، ورفع ﴿يَغْفِرُ﴾ و﴿وَيُعَذِّبُ﴾ مضارعين مستأنفين، وإسكان باء يعذب في قراءة أبي عمرو بالإدغام في ميم (مَن) أو الاختلاس وصلاً، ورفع ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ خبرين للفظ الجلالة (النشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥٢)مصدر غير محدد٢/٢٥٢.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تأكيد وتذييل تقريري لقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾؛ ببيان أن الملك والسلطان والملكوت كله لله، يتصرف في خلقه بمشيئته وحكمته؛ فيغفر لمن تاب وأناب، ويعذب من أصر على الكفر، وهو مع ذلك الغفور الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه.
قال ابن عباس ومجاهد: "﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عبيداً وخلقاً وملكا، ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ تفضلاً منه ورحمة، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ عدلاً منه وحكمة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ بالتائبين النادمين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ولله ما في السماوات وما في الأرض
استيعاب كلي لملك الله وتدبيره للعالم العلوي والسفلي.
يغفر لمن يشاء
المغفرة ستر الذنب ومحوه والتجاوز عن عقوبته لمن استحقها بحكمته ورحمته.
ويعذب من يشاء
العذاب الجزائي العادل لمن استحب العمى على الهدى ومات على كفره.
والله غفور رحيم
اسمان كريمان خُتمت بهما الآية لتغليب جانب الرحمة والمغفرة على جانب العذاب.
وَلِلَّهِ
الواو استئنافية، لله خبر مقدم.
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
ما اسم موصول مبتدأ مؤخر، في السماوات صلته، وما في الأرض معطوف عليه.
يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ
يغفر مضارع فاعله هو، لمن متعلقان بيغفر، وجملة يشاء صلة الموصول، وجملة يغفر استئناف بياني لا محل لها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تأسيس عقدي كلي يعلل الآية السابقة: لما قرر نفي الأمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن توبة الظالمين أو تعذيبهم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، بيّن هنا لمن الأمر والملك بالحقيقة: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ورتب عليه تصرفه المطلق بمشيئته الحكيمة في المغفرة والعذاب، وختم بالتذكير بمغفرته ورحمته ترغيباً للظالمين في التوبة والإنابة قبل فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المشيئة الإلهية في المغفرة والعذاب:
هل مشيئة المغفرة والعذاب مشيئة مجردة بلا ضوابط وحكمة؟
المحاكمة العقلية وتأصيل قواعد السلف:
كل ما عُلق في القرآن بالمشيئة الإلهية ﴿لِمَن يَشَاءُ﴾ فهو جارٍ على وفق الحكمة البالغة والعدل المطلق؛ فالله يغفر لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، ويعذب من أصر على الكفر والظلم والعدوان؛ فلا يظلم أحداً ولا يعذب تائباً، وإنما علق الأمر بالمشيئة لقطع أطماع المدلين بأعمالهم، ولبيان أن المغفرة فضل محض والعذاب عدل محض (شرح العقيدة الطحاوية، ج١، ص١٨٠؛ درء تعارض العقل والنقل، ج٨، ص١٢٠).
تقديم المغفرة ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ﴾ على العذاب ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾، ثم ختم الآية بـ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ دون ذكر "شديد العقاب"؛ إشعاراً بأن رحمته سبقت غضبه وغلبت عدله.
تقديم الجار والمجرور ﴿وَلِلَّهِ﴾ لإفادة الحصر والقصر والسيادة المطلقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
التوازن بين الخوف والرجاء؛ فيرجو المؤمن مغفرة ربه ويخشى عذابه.
فتح آفاق التوبة أمام المذنبين؛ فالله غفور رحيم لا يتعاظمه ذنب أن يغفره.
الوجدان الإيماني:
الطمع في رحمة الله الواسعة، والاستجارة به من غضبه وعذابه، ولهج اللسان بسؤال المغفرة والرضوان.