أجمع القراء العشرة على كسر لام الجر في ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وضم غين وتشديد زاي مفتوحة مقصورة ﴿غُزًّى﴾ جمع غازٍ مثل راعٍ ورُعّى، وتسكين واو ﴿مَّاتُوا﴾ وضم ميمها أو كسرها، ونصب ﴿حَسْرَةً﴾ مفعولاً ثانياً لـ (يجعل) أو مفعولاً أول و(ذلك) اسم إشارة في موضع المفعول، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة وخلف بكسر ميم ﴿مِتُّمْ﴾ ومتم، وقرأ نافع والكسائي ويعقوب وأبو جعفر بضمها (النشر، ج٢، ص٢٤٧؛ الدر المصون، ج٣، ص٤٣٠).
أسباب النزول وسياق الأثر:
تحذير للمؤمنين من التشبه بالمنافقين وضعاف النفوس الذين استغلوا استشهاد خيرة الصحابة في أحد وفي السرايا والأسفار، ليبثوا روح التندم والتحسر، زاعمين أن القعود يسلم الأبدان.
أخرج الطبري (ج٥، ص٨٦٥)مصدر غير محدد٥/٨٦٥ عن السدي وقتادة قالا: "نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه من المنافقين، كانوا إذا خرج إخوانهم من أهل المدينة في تجارة فماتوا، أو خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقُتلوا، قالوا: لو أطاعونا وما خرجوا ما ماتوا وما قُتلوا! فأنزل الله ينهى المؤمنين عن مقالتهم هذه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ضربوا في الأرض
سافروا فيها للتجارة وطلب المعاش؛ وسمي السفر ضرباً لأن المسافر يضرب الأرض برجليه أو براحلته.
غزى
جمع غازٍ؛ وهم المجاهدون الخارجون للقتال في سبيل الله.
الحسرة
أشد التندم والغم على فوات أمر كان يمكن تداركه بزعمهم، حتى يحترق القلب منه.
والله يحيي ويميت
هو المتفرد بخلق الحياة وسلبها بالأجل الحتمي، لا السفر ولا القتال يجلبهما، ولا القعود يدفعهما.
إذا ظرف لما يستقبل (أو للماضي بمعنى إذ)، ضربوا فعل الشرط، في الأرض متعلق بضربوا، أو عاطفة، كانوا ناقص واسمه، غزى خبر كان منصوب بفتحة مقدرة.
لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا
لو شرطية امتناع لامتناع، كانوا ناقص واسمه، عندنا ظرف متعلق بمحذوف خبر، ما نافية، ماتوا جواب لو، وما قتلوا معطوف عليه، وجملة لو وما في حيزها مقول القول.
اللام لام العاقبة والصيرورة أو التعليل؛ متعلقة بقالوا؛ أي قالوا ذلك فصيّره الله حسرة، يجعل مضارع منصوب بأن مضمرة، الله فاعل، ذلك مفعول أول، حسرة مفعول ثانٍ، في قلوبهم نعت لحسرة أو متعلق بيجعل.
وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ
الواو استئنافية، مبتدأ وجملة خبرية تدل على التوحيد.
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
جملة تذييلية مؤكدة بالبصر الإلهي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك عقدي ونفسي حاسم لعقدة "الندم والتحسر" الجاهلي؛ فالمنافق يظن جهلاً أن الحياة والموت تدور مع التدبير البشري والقعود الحذر، فإذا هلك قريب له في سفر أو قتال أصيب بالحسرة القاتلة وصرخ: (لو كانوا عندنا ما ماتوا!). فنهى الله المؤمنين عن هذا المنطق الجاهلي التعيس؛ وقرر أن الحياة والموت بيد الله الحي المميت وحده؛ فالمؤمن مستريح القلب مطمئن إلى قدر الله، والمنافق محترق القلب بالحسرات المتجددة كلما مات له أحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة العلية المادية المحضة في الموت والقتل:
يزعم الماديون قديماً وحديثاً أن الأسباب الظاهرة (كالرصاصة أو السيف أو السفر) هي العلة المستقلة التامة للموت، ولولاها لما مات الإنسان.
وبرهان الآية العقلي: أن الأسباب المادية مجرد ظروف وأوعية ينفذ من خلالها أمر الله وقدره؛ فكم من خائض لألف معركة يموت على فراشه كخالد بن الوليد رضي الله عنه، وكم من قابع في بيته يخطفه الموت فجأة على أريكته! فقصر العلة على السبب الظاهر جهل جاهلي محق، والعقل الصريح يوجب إسناد الخلق والإماتة إلى مفيض الحياة ومقدر الآجال ﴿وَاللَّهُ يُححيِي وَيُمِيتُ﴾ (تفسير الرازي، ج٩، ص٤٨)مصدر غير محدد٩/٤٨.
النهي عن المشابهة: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ تأصيل لقاعدة "مخالفة الكفار في عقائدهم وتصوراتهم وألفاظهم النفسية".
لام الصيرورة والعاقبة في ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً﴾: إشارة إلى أن سوء معتقدهم انقلب عليهم عذاباً نفسياً مقيماً يحرق صدورهم بالحسرة على ما لا يملكون دفعه.
الحصر في الجملة الاسمية: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾؛ لإفادة القصر والتفرد؛ فلا مدخل لأحد مع الله في خلق الحياة أو الموت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
غرس الطمأنينة الكاملة في قلوب المجاهدين والدعاة وأصحاب الأسفار؛ فلا خوف من خوض المهام الصعبة في سبيل الله.
التحرر من عذاب "الحسرة والندم" على الأقدار الماضية، وترك التلفظ بـ (لو) المعترضة على قضاء الله وقدره.