وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على رفع ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، و﴿وَيَأْمُرُونَ﴾، و﴿وَيَنْهَوْنَ﴾، و﴿وَيُسَارِعُونَ﴾ أفعالاً مضارعة بثبوت النون والواو فاعلاً، وجر ﴿الصَّالِحِينَ﴾ بالياء خبراً لاسم الإشارة (التيسير للداني، ص٨٩)مصدر غير محدد٨٩.
أسباب النزول وسياق الأثر:
تفصيل للصفات الإيمانية والسلوكية الرفيعة لتلك الثلة الصالحة من مؤمني أهل الكتاب الذين لحقوا بركب الإسلام وثبتوا على مكارم الأخلاق والمسارعة في الطاعات.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي يبادرون إلى طاعة الله ورسوله والجهاد مع المسلمين، ﴿وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين رضي الله عنهم وألحقهم بأنبيائه وأصفيائه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يؤمنون بالله واليوم الآخر
الإيمان بالبدء والمعاد وحقائق الغيب الخالصة من شوائب الشرك.
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
التحرك الإيجابي لإصلاح المجتمع وإشاعة الفضيلة ومحاربة الرذيلة.
يسارعون في الخيرات
المسارعة هي المبادرة السريعة بالرغبة والهمة العالية قبل فوات الأوان، وحرف "في" يفيد أنهم غارقون في ميدان الخيرات يتسابقون فيه.
من الصالحين
شهادة ربانية بالصلاح التام وحسن العاقبة والمعية مع خيار عباد الله.
استئناف تذييلي، أولئك مبتدأ، من الصالحين خبر شبه جملة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل الصفات الإيمانية: جمعت الآيتان (١١٣ و١١٤) أركان العبادة والصلاح:
١. صلاح الباطن والسريرة بالتلاوة والسجود بالليل ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
٢. صحة العقيدة واليقين ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
٣. النفع المتعدي والإصلاح الاجتماعي ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.
٤. علو الهمة في ميادين البذل ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.
فكان هذا الجمع المتوازن شهادة كافية على استحقاقهم وصف ﴿الصَّالِحِينَ﴾.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة فضل "المسارعة" على مجرد فعل الخير:
لماذا مدحهم الله بـ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولم يقل "يفعلون الخيرات"؟
المحاكمة العقلية والتربوية:
مجرد فعل الخير قد يصدر عن تردد أو تثاقل أو رياء، أما "المسارعة والمبادرة" فدليل على شدة المحبة والشغف بالطاعة وخوف فوات الفرصة واليقين بجلال الجزاء؛ فالسباق إلى الخيرات شأن المقربين الأبرار: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] (مدارج السالكين، ج١، ص٢٨٥)مدارج السالكينابن القيم١/٢٨٥.
التعبير بحرف الجر ﴿فِي﴾ في قوله ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾ للإشعار بأن الخيرات ميدان رحب ومحيط فسيح يتقلبون في جنباته مسارعين لا تفوتهم فضيلة.
اسم الإشارة للبعيد ﴿وَأُولَٰئِكَ﴾ لتفخيم مكانتهم ورفعة منزلتهم عند الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
الجمع بين العبادة الفردية والمسؤولية الاجتماعية؛ فلا يكتفي المؤمن بصلاته وتهجده، بل ينزل إلى واقع الناس آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وناشراً للخير.
علو الهمة ونبذ الكسل والتسويف في أعمال البر.
الوجدان الإيماني:
الشوق إلى دخول موكب الصالحين؛ والتأسي بهذه النماذج المشرقة التي ضربت أروع الأمثلة في المسارعة إلى طاعة رب العالمين.